Pinned Tweet
لماذا يتدرّب ريال مدريد مرتين في اليوم؟
فلسفة الإعداد البدني عند مورينيو : من فكرة اللعب إلى الجسد القادر على تنفيذها، وكيف تتكامل تخصصات طاقمه.
----
منذ بداية تحضيرات جوزيه مورينيو مع ريال مدريد هذا الموسم، تكررت صورة واحدة : تدريب صباحي، استراحة، ثم عودة إلى العمل مساءً.
والتفسير الأسهل الذي تداوله كثير من الصحفيين والمتابعين : مورينيو عاد بصرامته القديمة، يريد فريقا قويا بدنيا، ولذلك جعل لاعبيه يتدرّبون مرتين بدل مرة.
لكن الحقيقة عند تحليل تفاصيل حصص مورينو تقود إلى قراءة مختلفة.
في حصة 20 يوليوز مثلًا، بدأ ريال مدريد صباحًا في الصالة الرياضية، ثم انتقل إلى التنشيط، والاستحواذ والضغط، والإنهاء، وتدوير الكرة، قبل مباراة في مساحة مصغرة.
وفي مساء نفس اليوم، بدأ بالضغط، ثم عمل تكتيكي بالكرة، وانتهى بالإنهاء.
أي أننا لا نشاهد ببساطة :
تمارين لياقة صباحًا، وتمارين مع الكرة مساءً.
بل نحن أمام عملية إعداد تستخدم الحصة الثانية لتوفير وقت أكبر كي يتعلم اللاعب ما يُطلب منه في الملعب، ويصبح جسده قادرًا على تنفيذه وتكراره.
وهنا قد يتغير السؤال من : لماذا حصتان في اليوم؟
إلى سؤال أدق :
ماذا يريد الطاقم الفني أن يبني من خلال هاتين الحصتين، ولماذا تحتاج الهوية الفنية التي يريد مورينو لعبها إلى أجساد معدّة بطريقة معينة؟
---
1⃣ ـ الحصة الثانية تستغل موردًا سيصبح نادرًا مع بداية الموسم : وقت التدريب.
أهم مورد يمتلكه مورينيو الآن ليس ملاعب التدريبات ولا الصالة الرياضية ولا أجهزة القياس.
إنه الوقت.
في فترة الإعداد يمكن للفريق أن يتدرب صباحًا، يحصل على ساعات للطعام والراحة والاستشفاء، ثم يعود إلى حصة ثانية.
بعد بداية الموسم ستتقلص هذه المساحة سريعًا.
كثير من الأسابيع ستصبح :
مباراة ⬅️ استشفاء ⬅️ تحضير للمنافس التالي ⬅️ مباراة.
لذلك لا ينبغي فهم الحصة الثانية باعتبارها مجرد طريقة لإضافة مزيد من الجري.
يمكنها أن تسمح بتوزيع أهداف يوم كامل على حصتين بدل حشر العمل البدني، والتكتيك، والكرة، والإنهاء، والتكرارات داخل جلسة واحدة طويلة تتراجع فيها جودة التنفيذ كلما تراكم التعب مع الدقائق.
---
2⃣ ـ لا فصل بين العمل البدني والتكتيكي خلال التدريبات.
في 14 يوليوز أجرى الفريق اختبارًا عالي الشدة صباحًا. وفي المساء بدأ في الصالة الرياضية، ثم أدى تمارين بدنية متتابعة على العشب ضمن محطات مختلفة، وبعدها استحواذًا تحت الضغط وتدويرًا للكرة مع الإنهاء، قبل مباريات مصغرة.
وفي 16 يوليوز مزج اللاعبون مجددًا بين العمل البدني والعمل بالكرة : صالة وتمارين بدنية، ثم استحواذ وضغط وإنهاء، فتمارين جري، ثم عودة إلى تدوير الكرة والضغط، قبل عمل هجومي ودفاعي.
وفي 17 يوليوز احتوت الحصة الصباحية على عدة تمارين بدنية مكثفة إلى جانب تدوير الكرة والضغط والاستحواذ، ثم انتهت الفترة المسائية بمرحلة تكتيكية.
إذن الفصل البسيط : هناك جانب بدني، وجانب تكتيكي
لا يصف حقيقة ما يحدث في تدريبات مورينيو.
وهذا التداخل لا يحدث فقط عند توزيع العمل بين حصتي اليوم.
فحتى داخل التمرين الواحد، يمكن أن يعمل اللاعب على أكثر من جانب في الوقت نفسه.
خذ مباراة ستة ضد ستة في مساحة صغيرة.
قد تفرض على اللاعب في اللحظة نفسها :
◀️ - ضغطًا مباشرًا بعد خسارة الكرة.
◀️ - تسارعات وتوقفات متكررة، وتغيير الاتجاه.
◀️ - اختيار زاوية الضغط الصحيحة، واتخاذ قرار في جزء من الثانية.
◀️- تنفيذ التمارين نفسها بعدما يبدأ التعب في الظهور.
أي أنها ليست تمارين «تكتيكية» أو «بدنية» بالمعنى الحصري الذي توحي به التسميات.
التمرين واحد، لكن المطالب التي يفرضها على اللاعب متعددة.
ومن هنا نحتاج إلى النظر في طاقم مورينيو واختصاصاته المختلفة، لفهم أنواع المعرفة التي تدخل في إعداد اللاعب، قبل أن نعود إلى السؤال الأساسي : لماذا يحتاج مورينيو إلى حصتين في اليوم؟
🛑 فوز مستحق 1-2 ... والأهم أن ريال مدريد بدأ يتغيّر!
هذا الانتصار حقق مكسبين كبيرين :
1⃣ - الأول، إعادة فتح المنافسة على الليغا وتقليص الفارق مع برشلونة إلى ثلاث نقاط.
2⃣ - والثاني، وهو الأهم عندي، تعزيز ثقة اللاعبين في أنفسهم، وثقة مورينيو وطاقمه في جدوى التصحيحات التي بدأوا بإجرائها.
بدأنا الموسم بنفس اللاعبين بنفس المراكز، والأخطاء نفسها التي رافقتنا في الموسمين الأخيرين. كان شكل الفريق قبيحًا، وكأننا نكرر التجربة نفسها وننتظر نتائج مختلفة!
لكن منذ بدأ مورينيو وطاقمه اتخاذ قرارات أكثر جرأة، بدأ الفريق يستعيد شيئًا من توازنه وقوته.
◀️ - التصحيح الأول : فالفيردي ظهيرًا أيمن.
◀️ - التصحيح الثاني : ديوماندي بدل فينيسيوس.
صحيح أن الإيقاف فرض هذا التغيير، لكنه كشف أيضًا ما يستطيع جناح سريع، انفجاري ومباشر أن يضيفه لهجومنا.
◀️ يبقى التصحيح الثالث، وهو الأصعب والأكثر تأثيرًا : بيلينغهام ومركز الرقم 10.
المشكلة ليست في وجود بيلينغهام، بل في توظيفه بطريقة تزاحم غولر على مناطق صناعة اللعب، وتدفع الأخير إلى الجناح، بعيدًا عن المساحات التي يستطيع فيها إظهار أفضل خصائصه.
إعادة بيلينغهام إلى دور يستثمر قوته البدنية وانطلاقاته، وتحرير غولر لقيادة صناعة اللعب خلف المهاجمين، قد يكونان آخر خطوة في هذا التصحيح.
لقد بدأنا نلعب كفريق، ونفوز رغم أننا لا نزال نعطّل بعض أسلحتنا بأيدينا.
تخيلوا ما يمكن أن يفعله هذا الفريق حين يتوقف عن تعطيل نقاط قوته؟!
مورينيو اختار المقاربة التكتيكية الأنسب لمواجهة هذا برشلونة.
فبرشلونة فليك يصبح أكثر خطورة أمام الكتل المنخفضة Low Block، بفضل جودة لاعبيه في التحرك بين الخطوط واستغلال أنصاف المساحات.
لذلك، لا يكمن الحل في التراجع وانتظار هجماته، بل في مواجهته بكتلة :
1- متوسطة (وليس منخفضة).
2- نشطة (Active Mid-Block)، تضغط في التوقيت المناسب، وتمنعه من الاستقرار في الثلث الهجومي، مع استغلال المساحات خلف خط دفاعه المتقدم.
بفضل سيلفا ودياموندي وتشواميني (على غير العادة) دون نسيان هويسن البناء من الخلف وسطنا استطاع أن ينافس وسط البارسا.. ويخرج بالكرة..
لكن الاختبار الأصعب يبدأ الآن!
أول ربع ساعة من الشوط الثاني يمثل إحدى أكثر فترات ريال مدريد هشاشة هذا الموسم، وهو ما تعززه أرقام الأهداف المستقبلة. وبرشلونة يملك من الجودة ما يسمح له بمعاقبة أي تراجع في الضغط أو التركيز.
إذا نجحنا في تجاوز الدقيقة 60 متقدمين، مع الحفاظ على تماسكنا الدفاعي وقدرتنا على تهديد مرمى برشلونة، فسترتفع حظوظنا في الفوز.
المهم ألا يتحول تقدمنا إلى ذريعة للتراجع ؛ لأن أسوأ ما يمكن فعله أمام هذا برشلونة هو منحه الوقت والمساحة ليهاجمنا كما يشاء.
🛑 قبل اللكلاسيكو : الإيقاف يُنقذنا من فينيسيوس… فمن يُنقذنا من بيلينغهام؟
مشكلة بيلينغهام مضاعفة، وضرره لا يتوقف عند ما يفعله بالكرة، بل يمتد إلى ما يمنع الآخرين من فعله بها!
أولًا، يعجن الكرة حتى يقتل إيقاع الهجمة، ويحوّل اللعب الجماعي المنظّم إلى سلسلة من الارتجالات الفردية. يستلم حيث يُفترض أن يمرّر، ويراوغ حيث يُفترض أن يسرّع، فتضيع الانسيابية بين قدميه.
وثانيًا، وهو الأسوأ، يحتل المساحات التي يستطيع غولر أن يصنع فيها الفارق، فيُدفع اللاعب الأكثر قدرة على تنظيم اللعب وصناعة الحلول إلى مناطق أبعد عن التأثير، لإفساح المجال للاعب يُفسد كثيرًا مما يُفترض أن ينظّمه!
والمشكلة نفسها تتكرر مع فينيسيوس، الذي فقد كثيرًا من انفجاريته، وتراجعت قدرته على تجاوز المدافعين، وانحدرت نجاعته في الثلث الأخير، ومع ذلك لا يزال يحتكر مركزًا يوجد فيه دياموندي، اللاعب الذي يمتلك اليوم بالضبط ما افتقده البرازيلي : الانفجار في الأمتار الأولى، والتفوق في المواجهات الفردية، والمباشرة والنجاعة الهجومية.
الكلاسيكو المقبل أمام برشلونة يحمل مفارقة مثيرة!
غياب فينيسيوس للإيقاف سيفسح المجال لدياموندي، وقد يتخلص ريال مدريد، ولو اضطراريًا، من إحدى مشكلاته الهجومية، ويستعيد على الطرف ما افتقده من سرعة وانفجارية وخطورة.
أما مشكلة بيلينغهام، فلا إيقاف سيحلّها، ولا غياب سيُريحنا منها!
ستبقى حاضرة في قلب الملعب، حيث تُصنع الهجمات أو تُقتل، وحيث يحتاج ريال مدريد أمام برشلونة إلى سرعة تداول الكرة، وجودة اتخاذ القرار، والقدرة على كسر الضغط بالتمرير والتحرك، لا إلى لاعب يُحوّل كل استلام إلى مشروع مراوغة، وكل هجمة جماعية إلى اجتهاد شخصي!
والأسوأ أن استمرار بيلينغهام في احتلال مناطق غولر يعني أننا سندخل الكلاسيكو ونحن نتنازل طوعًا عن أحد أهم مفاتيح التفوق الفني، لصالح لاعب باتت مساهمته في إبطاء اللعب أكبر من مساهمته في صناعته.
قد يحلّ الإيقاف مشكلة فينيسيوس مؤقتًا، لكن مشكلة بيلينغهام باقية، وتتمدد على حساب غولر، وقد تكون وحدها كافية لتكليفنا الكلاسيكو!
مشاكلنا صارت الآن مشروعًا يمتد لخمس سنوات أخرى!
إدارتنا لا تكتفي بالعجز عن معالجة مشاكل الفريق، بل تواصل تحصين البيئة التي أنتجتها بعقود طويلة الأمد!
🗓- مبابي حتى 2029.
🗓- تشواميني حتى 2031.
🗓- فينيسيوس حتى 2032.
🗓- بيلينغهام حتى 2031.
نفس الأسماء، نفس الأضداد، نفس التناقضات في الخصائص والأدوار والمساحات، ونفس المعضلات التكتيكية التي انتقلت من مدرب إلى آخر دون حل جذري.
وما كان يفترض أن يكون مشكلة نعالجها في سوق انتقالات واحد، أصبح مشروعًا قد نضطر إلى التعايش معه لخمسة مواسم أخرى أو أكثر!
🔴 روما 3-4 ريال مدريد..
حين توقّف ريال مدريد عن الركض وبدأ يلعب الكرة!
قبل المباراة، تساءلتُ عند ظهور التشكيلة إن كان مورينهو قد أعدّ خطة لهزيمة ضغط غاسبيريني، أم أنه استسلم له مسبقًا بإجلاس أبرز أدوات البناء وصناعة اللعب على الدكة.
وجاءت المباراة لتمنحنا مفارقة يصعب تجاهلها!
حين اختار مورينهو العمودية المفرطة، والاعتماد على السرعة والركض خلف المساحات، وجد ريال مدريد نفسه متأخرًا 3-1.
حينها خسر مورينهو خسارة مزدوجة :
الأولى على الورق حين غير هوية فريقه خوفا من أسلوب غاسبيريني، والثانية بالملعب ثم خسر 3-1.
وحين اضطر إلى إجراء التغييرات، وإعادة أدوات البناء والتحكم بالكرة إلى الملعب، انقلبت النتيجة إلى 4-3!
بالطبع، لا تختزل مباراة كاملة في بضعة تغييرات، لكن الفارق بين الصورتين يستحق التأمل.
المشكلة لم تكن يومًا في اللعب العمودي نفسه، بل في تحويله إلى فلسفة هجومية تكاد تلغي بقية الحلول.
ريال مدريد يملك لاعبين قادرين على صناعة التفوق بالكرة، لا بالركض فقط. ويملك من الجودة الفنية ما يسمح له بتفكيك الضغط بدل الاكتفاء بالهروب منه.
غولر ليس لاعبًا ينبغي إخفاؤه كلما ظهر مدرب يجيد الضغط ؛ بل قد يكون أحد أهم مفاتيح معاقبة ذلك الضغط!
والسؤال الآن ليس كيف نجح مورينهو في العودة بالنتيجة، بل لماذا احتاج إلى التأخر بهدفين كي يعيد إلى فريقه الأدوات التي تخلى عنها منذ البداية؟
هل سيتعلم من هذه المباراة أن العمودية سلاح ضمن منظومة، وليست منظومة قائمة بذاتها؟
فنحن لسنا باريس سان جيرمان، ومورينهو ليس لويس إنريكي. ولا ينبغي لريال مدريد أن يتخلى عن هويته الفنية ليعيش على الركض في المساحات!
المشكلة مع مورينهو أنه لا يريد فريقًا يصنع التفوق بالكرة، بل فريقًا ينتظر أن يصنع الخصم له المساحات ؛ وكأن مهمة ريال مدريد ليست فرض كرة القدم التي يريدها، بل انتظار كرة القدم التي يسمح بها الآخرون!
🔴 مورينهو وغاسبيريني.. من فرض على الآخر طريقة اللعب؟
لم تبدأ المباراة بعد، لكن ضغط غاسبيريني يبدو أنه حقق أول مكاسبه على الورق :
دفع مورينهو إلى إجلاس غولر وهويسن وأرنولد، أي أبرز أدواته في صناعة اللعب وبنائه، على الدكة!
غاسبيريني يضغط برقابة رجل لرجل، ويطارد صُنّاع اللعب لافتكاك الكرة والتحول السريع (على طريقة إيراولا مع بورنموث).
أي كان غاسبيريني سيحتاج إلى خطة ضغط كاملة لتحييد أبرز أدوات البناء في ريال مدريد ؛ لكن مورينهو اختصر عليه المهمة وأجلسها بنفسه على الدكة!
مورينهو اختار ثلاثة مهاجمين عموديين (مبابي وفينيسيوس ودياموندي)، وخلفهم بيلينغهام، ثم تشواميني وفالفيردي.
فريق صُمّم للركض خلف خطوط الضغط أكثر مما صُمّم لتفكيكها بالكرة!
والمفارقة أن الرقابة الفردية التي سيطبقها غاسبيريني قد تحمل نقطة ضعفها داخلها ؛ فكل لاعب يغادر موقعه لملاحقة خصمه يترك مساحة يمكن استغلالها بتحريك الكرة وتوظيف اللاعب الثالث.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة صُنّاع اللعب، لا باعتبارهم ضحايا محتملين للضغط، بل أدوات قادرة على معاقبته بتمريرات غولر في المساحات.
لكن مورينهو، بدل البحث عن آليات تجعل غولر وهويسن وأرنولد جزءًا من الحل، بدا وكأنه اختار التخلص من مشكلة البناء بالتخلص من أبرز أدواته!
قد ينجح رهانه، ويعاقب روما بالانطلاقات خلف دفاعه. فاللعب المباشر ليس عيبًا، وقد يكون سلاحًا مناسبا أمام غاسبيريني.
لكن التكيّف مع الخصم شيء، والسماح له بتحديد نوعية اللاعبين الذين تستطيع إشراكهم شيء آخر!
لأن المزعج هو أن يتخلّى مدرب عن أبرز أسلحته كلما وجد الخصم وسيلة لمواجهتها، بذلك لا يبني هوية لفريقه ؛ بل يمنح المنافسين حق تفكيكها قبل صافرة البداية!
لذا، السؤال الذي يفرض نفسه قبل صافرة البداية :
هل أعدّ مورينهو خطة لهزيمة ضغط غاسبيريني، أم أن غاسبيريني أجبره، قبل أن تبدأ المباراة، على التضحية بأبرز أدوات صناعة اللعب خوفًا من ضغطه؟
🔴 مورينهو وغاسبيريني.. من فرض على الآخر طريقة اللعب؟
لم تبدأ المباراة بعد، لكن ضغط غاسبيريني يبدو أنه حقق أول مكاسبه على الورق :
دفع مورينهو إلى إجلاس غولر وهويسن وأرنولد، أي أبرز أدواته في صناعة اللعب وبنائه، على الدكة!
غاسبيريني يضغط برقابة رجل لرجل، ويطارد صُنّاع اللعب لافتكاك الكرة والتحول السريع (على طريقة إيراولا مع بورنموث).
أي كان غاسبيريني سيحتاج إلى خطة ضغط كاملة لتحييد أبرز أدوات البناء في ريال مدريد ؛ لكن مورينهو اختصر عليه المهمة وأجلسها بنفسه على الدكة!
مورينهو اختار ثلاثة مهاجمين عموديين (مبابي وفينيسيوس ودياموندي)، وخلفهم بيلينغهام، ثم تشواميني وفالفيردي.
فريق صُمّم للركض خلف خطوط الضغط أكثر مما صُمّم لتفكيكها بالكرة!
والمفارقة أن الرقابة الفردية التي سيطبقها غاسبيريني قد تحمل نقطة ضعفها داخلها ؛ فكل لاعب يغادر موقعه لملاحقة خصمه يترك مساحة يمكن استغلالها بتحريك الكرة وتوظيف اللاعب الثالث.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة صُنّاع اللعب، لا باعتبارهم ضحايا محتملين للضغط، بل أدوات قادرة على معاقبته بتمريرات غولر في المساحات.
لكن مورينهو، بدل البحث عن آليات تجعل غولر وهويسن وأرنولد جزءًا من الحل، بدا وكأنه اختار التخلص من مشكلة البناء بالتخلص من أبرز أدواته!
قد ينجح رهانه، ويعاقب روما بالانطلاقات خلف دفاعه. فاللعب المباشر ليس عيبًا، وقد يكون سلاحًا مناسبا أمام غاسبيريني.
لكن التكيّف مع الخصم شيء، والسماح له بتحديد نوعية اللاعبين الذين تستطيع إشراكهم شيء آخر!
لأن المزعج هو أن يتخلّى مدرب عن أبرز أسلحته كلما وجد الخصم وسيلة لمواجهتها، بذلك لا يبني هوية لفريقه ؛ بل يمنح المنافسين حق تفكيكها قبل صافرة البداية!
لذا، السؤال الذي يفرض نفسه قبل صافرة البداية :
هل أعدّ مورينهو خطة لهزيمة ضغط غاسبيريني، أم أن غاسبيريني أجبره، قبل أن تبدأ المباراة، على التضحية بأبرز أدوات صناعة اللعب خوفًا من ضغطه؟
🔴 غولر وبيلينغهام.. المعضلة التي حسم فيها مورينهو الاسم ولم يحسم المشكلة!
-----
مشاكل مورينهو في ريال مدريد كثيرة، وبعضها لا يحتاج إلى محلل تكتيكي لاكتشافه.
ورث جمهورية من النجوم والرتب الثقيلة، ومبابي الذي تفرض خصائصه الهجومية تنازلات على توزيع الأدوار والمساحات، وفينيسيوس الذي لم يعد يقدم بانتظام نسخة الجناح المراوغ والمخترق التي عرفناها قبل موسمين.
هذه مشاكل ظاهرة، يستطيع المشاهد التقاط أعراضها بسهولة.
لكن هناك مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا ؛ لأن أعراضها ليست فردية، بل موضعية وبنيوية.
لا تظهر بالضرورة في مراوغة فاشلة أو تمريرة ضائعة، وإنما في العلاقات بين اللاعبين، وفي الطريقة التي تنتظم بها حركة الفريق أثناء الهجمة.
أتحدث عن معضلة غولر وبيلينغهام.
1⃣- المشكلة ليست اختلاف البروفايل.. بل تنازع مناطق التأثير!
سبق أن كتبت عن «زحمة الأضداد وتصفير التأثيرات»، ولا أزال أعتبرها إحدى أهم مشكلات ريال مدريد.
يمكن للمدرب أن يفصل بين لاعبين في الرسم التكتيكي، دون أن يفصل بين مناطق تأثيرهما.
غولر وبيلينغهام مختلفان في طريقة إنتاج التفوق الهجومي، لكنهما يتقاطعان في أهم المناطق التي يريدان التأثير منها: خلف المهاجم، وبين خطوط الوسط والدفاع، وأنصاف المساحات القريبة منها.
غولر أقرب إلى صانع اللعب الموضعي الذي ينتج التفوق بالتوزيع والربط وتنظيم العلاقات بين اللاعبين والمساحات. قيمته تظهر حين يستقبل في موضع يسمح له باستغلال تحركات زملائه، وتوجيه الكرة إلى المساحة المناسبة في التوقيت المناسب.
أما بيلينغهام فينتج جانبًا كبيرًا من تفوقه بالمبادرة الفردية: حمل الكرة، اختراق الخطوط، تغيير الموقع وفق تطور الهجمة، والاندفاع نحو منطقة الجزاء.
الأول يحتاج إلى بنية من التحركات والزوايا يستطيع تشغيلها، والثاني يحتاج إلى حرية تسمح له بإعادة تشكيل تلك البنية أثناء تطور الهجمة.
كلاهما قادر على ممارسة الأسلوبين، لكننا نتحدث عن الوظائف التي تستخرج أفضل خصائص كل منهما.
وهنا يبدأ التعارض: حين يريد لاعبان ممارسة التأثير من المنطقة نفسها، خلال المرحلة نفسها من الهجمة، لكن بمنطقين مختلفين في صناعة التفوق.
2⃣- لكن بيلينغهام نجح إلى جانب كروس!
صحيح، لكن كروس كان ينظم اللعب من مناطق أعمق، بينما يتحرك بيلينغهام أمامه ويتقدم نحو مناطق الحسم.
كروس كان القاعدة التي ينطلق منها بيلينغهام، لا منافسًا له على مناطق تأثيره.
غولر مختلف ؛ فهو لا يريد الاكتفاء بإيصال الكرة من الخلف، بل يمتلك أفضل أدواته الهجومية في المناطق التي يستطيع منها صناعة التمريرة الأخيرة وربط المهاجم بالأجنحة.
لذلك، فإن إعادته إلى الخلف أو نقله إلى اليمين قد ينهي التزاحم المكاني، لكنه يفعل ذلك على حساب فاعليته في وظيفته الأصلية.
فالتزاحم يُحل بتوزيع الأجساد، أما التعارض الوظيفي فلا يُحل إلا بتوزيع المسؤوليات والقرارات.
3⃣- منتخب إنجلترا يكشف جانبًا مهمًا من المشكلة!
مستوى بيلينغهام مع إنجلترا، وتصريحات أنتوني باري (مساعد توخيل) عن منحه حرية أكبر للتحرك وفق حدسه، يقدمان درسًا مهمًا.
بيلينغهام ليس لاعبًا ضعيفًا، ولا عائقًا بطبيعته أمام كرة القدم الجماعية.
إنه لاعب كبير، لكن عظمة اللاعب لا تعني ملاءمته لأي وظيفة داخل أي منظومة.
مع إنجلترا، تُمنح له مساحة واسعة للتحرك والتأثير وفق قراءته الفردية للمواقف.
وهذا يوضح أن المشكلة ليست في حرية بيلينغهام نفسها، بل في كيفية استيعابها داخل التنظيم الجماعي، ومن يتحمل التنازلات التي تفرضها على بقية اللاعبين.
فالحرية التي تجعل لاعبًا يتألق قد تتحول إلى عبء على المنظومة إذا كانت تنتزع من لاعب آخر المساحات والوظائف التي يحتاجها للتألق.
وهنا نصل إلى معضلة مورينهو في ريال مدريد.
يتبع ⤵️
4⃣- مورينهو اختار بيلينغهام.. لكن ماذا فعل بغولر؟
من خلال توزيع الأدوار، يبدو أن مورينهو يمنح بيلينغهام الأفضلية في مركز صانع الألعاب المتقدم خلف مبابي، ثم يبحث لغولر عن وظيفة أخرى تسمح بإشراكهما معًا.
لكن هذا ليس مجرد توزيع للمراكز، بل منح أحد اللاعبين أفضل مناطق تأثيره، وإجبار الآخر على التكيف مع ما تبقى من المساحات والوظائف.
حين يُنقل غولر إلى اليمين، يجد نفسه أمام ثلاث حالات :
إذا بقي قريبًا من الخط، ابتعد عن أهم مناطق صناعته بين الخطوط، وأصبح مطالبًا بوظائف لا تستخرج أفضل خصائصه.
وإذا دخل إلى العمق لاستعادة تأثيره، زاحم بيلينغهام على مناطق الحركة والاستقبال.
وإذا تراجع لتنظيم البناء، أصبح صانع ألعاب بعيدًا عن مناطق الحسم، يرسل الكرة إلى المساحات التي كان يفترض أن يكون أحد أهم اللاعبين في استغلالها.
المفارقة أن الحالات الثلاث تفرض التنازل على اللاعب نفسه : غولر.
أما بيلينغهام فيحتفظ بحرية التحرك خلف المهاجمين، وحمل الكرة، واختراق العمق، والوصول إلى مناطق الحسم.
وهنا لا يعود السؤال أين يمكن أن نضع غولر بجانب بيلينغهام؟
بل ما الذي سيتبقى من أفضل نسخة لغولر إذا كان عليه التخلي عن المناطق والوظائف التي تصنع قيمته حتى يحتفظ بيلينغهام بمناطقه ووظائفه؟
مورينهو، في تقديري، لم يحل المعضلة ؛ بل حسمها لصالح أحد اللاعبين، ونقل تكلفتها التكتيكية إلى الآخر.
لقد حل مشكلة وجودهما معًا في التشكيلة، لكنه لم يحل تعارضهما داخل الملعب.
5⃣- كيف يتحول التعارض إلى خلل في المنظومة؟
هنا نصل إلى جوهر «تصفير التأثيرات».
في كرة القدم الموضعية، لا تكمن أهمية التمركز في احتلال مساحة معينة فقط، بل في العلاقات التي يصنعها هذا التمركز مع بقية اللاعبين.
حين يثبت الجناح عرض الملعب، وينطلق المهاجم لتهديد العمق، ويتمركز صانع اللعب بين الخطوط، فإن هذه التحركات تشكل عملية مترابطة يُفترض أن تصل فيها الكرة إلى اللاعب المناسب في التوقيت المناسب.
لكن حين يتقدم لاعب بحمل الكرة نحو منطقة هُيئت لاستقبال لاعب آخر، فقد تختل هذه العلاقات.
يصبح اللاعب الذي كان ينتظر الاستلام مطالبًا بإخلاء موقعه، وقد يضطر المهاجم إلى تأخير انطلاقته أو تغيير اتجاهها، فيما ينشغل الآخرون بإعادة التموضع لاستيعاب المبادرة الجديدة.
هنا لا تضيع المساحة بالضرورة، وإنما تضيع الوظيفة التي كانت تلك المساحة تؤديها داخل الهجمة.
وهذا ما أراه في تعارض غولر وبيلينغهام.
حرية بيلينغهام في إعادة تشكيل الهجمة قد تتداخل مع وظيفة غولر في توجيهها من المناطق نفسها.
فتصبح المشكلة ليست في عجز أحدهما عن اتخاذ القرار الصحيح، بل في أن القرار المناسب لأحدهما قد يفرض على الآخر التخلي عن الوظيفة التي كان يستعد لأدائها.
وهنا أيضًا نفهم لماذا لا تكفي الأرقام الفردية لإثبات نجاح اجتماعهما.
قد يصنع غولر فرصًا ويمرر بصورة ممتازة، وقد ينجح بيلينغهام في حمل الكرة واختراق الخطوط، دون أن يعني ذلك أن المنظومة تستخرج من اجتماعهما قيمة جماعية إضافية.
وهذا ما أقصده بتصفير التأثيرات : أن يحتفظ اللاعبان بجزء من إنتاجيتهما الفردية، بينما تتراجع القيمة الجماعية المفترضة لاجتماعهما بسبب التداخل بين وظائفهما.
لا أزعم أن هذا التعارض وحده يفسر قبح أداء ريال مدريد، لكنه، في تقديري، أحد أسباب افتقار الفريق إلى تنظيم هجومي مستقر رغم الجودة الفردية الكبيرة التي يمتلكها.
يتبع ⤵️
6⃣- ما القرار الذي يتهرب منه مورينهو؟
في تقديري، لا يحتاج مورينهو إلى مزيد من التجارب لإيجاد صيغة هجينة تستوعب غولر وبيلينغهام في وظيفتيهما المفضلتين.
يحتاج إلى الاعتراف بأن عليه التضحية بأحد الدورين، بدل الاستمرار في التضحية بجودة المنظومة لإرضاء الاثنين.
فلا أرى إمكانية لاستخراج أفضل نسختيهما معًا ما دام بيلينغهام يحتفظ بحرية اللاعب رقم 10، وغولر يحتاج إلى المناطق نفسها لممارسة صناعة اللعب.
لكن هناك استثناء تكتيكي أراه ممكنًا :
أن يتحول بيلينغهام إلى لاعب وسط ثانٍ بجانب فالفيردي أو تشواميني، ويتخلى عن امتياز التحرك الحر والمستمر خلف المهاجمين.
حينها يحصل غولر على مركز صناعة اللعب المتقدم، بينما يؤدي بيلينغهام وظائف البناء من الخلف، وحمل الكرة لكسر خطوط الضغط، والافتكاك، والتغطية الدفاعية، مع تقدم هجومي تحكمه متطلبات التنظيم.
هنا يصبح التكامل ممكنًا، لأن بيلينغهام لن يعود منافسًا دائمًا لغولر على مناطق تأثيره.
لكن هذا الحل يصطدم بمشكلة أكبر من التكتيك نفسه: رتبة بيلينغهام داخل ريال مدريد.
فنحن نتحدث عن أحد أثقل الأسماء في الفريق، اعتاد حرية هجومية واسعة وحضورًا مستمرًا في مناطق الحسم.
ولا أعتقد أنه سيتقبل بسهولة التحول إلى لاعب وسط أكثر انضباطًا خلف غولر، بما قد يرافق ذلك من تراجع في حضوره الهجومي وأرقامه الفردية.
وهنا يمكن فهم استمرار مورينهو في الحل الهجين :
يمنح بيلينغهام أفضلية المركز والدور، ثم يبحث لغولر عن مكان آخر على اليمين أو في الخلف.
أي إنه بدل أن يعيد تحديد وظيفة بيلينغهام وفق حاجات المنظومة، يعيد تشكيل وظيفة غولر للحفاظ على امتيازات بيلينغهام.
وهكذا نعود إلى مشكلة الرتب الثقيلة التي تحدثت عنها في بداية المقال.
فإذا تعذر تحويل بيلينغهام إلى لاعب وسط ثانٍ، يصبح الحسم بينه وبين غولر على وظيفة صانع الألعاب المتقدم ضرورة تكتيكية، لا مجرد تفضيل شخصي.
لأن الاحتفاظ بهما في التشكيلة لا يعني بالضرورة الاحتفاظ بأفضل ما يملكان.
وأحيانًا لا تكون شجاعة المدرب في إيجاد مكان لكل نجم، بل في إخراج أحد النجوم عندما يصبح وجوده عائقًا أمام المنظومة التي يريد بناءها.
🔴 الخلاصة :
مشكلة مورينهو ليست أنه لم يعثر بعد على التوليفة السحرية التي تجمع غولر وبيلينغهام، وإنما أنه يصر على البحث عن حل وسط لمعضلة تحتاج، في تقديري، إلى قرار حاسم.
فإذا لم يكن مستعدًا لتغيير وظيفة بيلينغهام ومنح غولر مركز صناعة اللعب، فعليه أن يتحمل النتيجة التكتيكية لاختياره، بدل محاولة الاحتفاظ بالاثنين مع التضحية بالقيمة الوظيفية لأحدهما.
فالمدرب لا يُقاس نجاحه بعدد النجوم الذين يستطيع جمعهم في التشكيلة، بل بقدرته على اختيار اللاعبين الذين تتكامل وظائفهم داخل المنظومة.
لقد حسم مورينهو أولوية بيلينغهام، لكنه لم يحسم ما يترتب على ذلك بالنسبة إلى غولر.
ومشكلته ليست أنه لم يجد مكانًا لغولر بجانب بيلينغهام، بل أنه لا يريد الاعتراف بأن المكان الذي يمنحه لبيلينغهام هو نفسه المكان الذي يحتاجه غولر.
مورينهو يجب أن يخجل من نفسه!
ليس لأنه غاب الليلة عن المؤتمر الصحفي، حيث كنا سنسمع على الأرجح فصلًا جديدًا من هذيان المؤامرة التحكيمية، بل لأنه سبق أن تفاخر بقضاء ما بين 10 و12 ساعة يوميًا في مدينة ريال مدريد، بين مكتبه والتدريبات وتحليل البيانات والمقاطع المصورة من أعلى للتدريبات ! وقبل مباراة الليلة قال حللنا الكثير لنواجهة فياريال...
مورينهو ورث تجارب ثلاثة مدربين سبقوه (أنشيلوتي، ألونسو، أربيلوا)، وأمضى رفقة طاقمه الفني ثلاثة أشهر في الدراسة والتحليل والتدريب، ثم كانت حصيلة كل هذه الساعات إعادة إنتاج العيوب نفسها التي عجز أسلافه عن معالجتها!
المحور نفسه : تشواميني وفالفيردي!!!!
والأسماء الهجومية نفسها بنفس أضدادها و تزاحمها وتصفير تأثيراتها : مبابي وفينيسيوس وبيلينغهام.
والأداء القبيح نفسه : فريق يعجز عن فرض أسلوبه، ويتراجع حتى أمام خصوم متواضعين، منتظرًا فرصة للركض في المساحات وضربهم بالمرتدات!
هل يحتاج هذا الأسلوب البدائي إلى صفقات بمئات الملايين؟ وهل يحتاج أصلًا إلى 12 ساعة عمل يوميًا كي تنتهي إلى تقديم كرة القدم نفسها التي فشل بها من سبقوك؟!
المخجل ليس أن مورينهو لم يجد الحل بعد، بل أنه لم يُظهر حتى الآن ما يقنعنا بأنه يسير نحو حل مختلف، ثم يحاول تحويل النقاش من بؤس كرة القدم التي يقدمها إلى حرب لا تنتهي مع الحكام.
إن كان هناك بصيص أمل في التعاقد مع مورينهو، فقد كان في أن يفعل ما عجز عنه أنشيلوتي وألونسو وأربيلوا : أن يملك الجرأة لإجلاس النجوم، وكسر حصانتهم، وإنهاء سلطة الأسماء على حساب الأداء، وإعادة بناء فريق يلعب فيه من يستحق، لا من يفرض اسمه ومكانته.
هذا تحديدًا ما كنا ننتظره من شخصية مورينهو وسلطته وصرامته، لا أن يأتي ليُدير المجموعة بالمنطق نفسه الذي أوصلنا إلى هذا العجز.
أما إذا كان سيُساير النجوم، ويُعيد إنتاج اختيارات أنشيلوتي وأربيلوا وتنازلاتهم، ويقدّم كرة القدم نفسها، فلماذا تعاقدنا معه أصلًا؟!
لم نكن بحاجة إلى مورينهو ليكون نسخة أخرى من أنشيلوتي ؛ تعاقدنا معه لأننا كنا ننتظر منه أن يجرؤ على ما لم يجرؤ عليه من سبقوه!
وحتى الآن، لم يُظهر تلك الجرأة إلا في معاركه مع الحكام، أما داخل الفريق، فلم يجرؤ على تغيير ما تعاقدنا معه أصلًا لتغييره!
الشيء الوحيد الذي نجحت فيه إدارة بيريز خلال المواسم الأخيرة، وسط إخفاقاتها المتراكمة، هو توظيف قناة النادي لصناعة سردية عن مؤامرة تحكيمية تستهدف ريال مدريد.
وقد نجحت فعلا في إقناع جزء غير قليل من المدريديستا بأن التحكيم هو أصل مشاكل الفريق، حتى أصبح بعضهم يشعر بعد كل فوز هزيل، كما حدث الليلة، أننا انتزعنا النقاط رغم أنف الحكم، لا أننا واجهنا خصمًا كان ينبغي أن نتفوق عليه أصلًا.
وحين تنظر لخصومنا تسأل : من نواجه أصلًا؟!
نحن نلعب في بطولة أنهكت سياسات خافيير تيباس وقوانينه واتفاقياته مع الصناديق الاستثمارية معظم أنديتها، حتى صار بعضها عاجزًا عن التعاقد مع حارس جيد أو مدافع جيد أو مهاجم جيد.
أندية تُرقّع تشكيلاتها بلاعبين تخلّت عنهم أندية أخرى، وبما تسمح به فتات ميزانياتها وهوامشها المالية الضيقة.
وفي المقابل، يقف ريال مدريد بقدرته الاستثنائية على استقطاب نجوم الصف الأول موسمًا بعد آخر، وتكوين تشكيلات لا تستطيع معظم أندية الليغا حتى أن تحلم بنصف قيمتها.
ومع ذلك، نعجز في مباريات كثيرة عن فرض أسلوب لعبنا وهيمنتنا على فرق تواجهنا بتشكيلات مرقّعة وموارد شحيحة!
- كيف نعجز عن ترجمة هذا التفوق الهائل في الإمكانات إلى تفوق واضح على أرض الملعب؟
- ولماذا أصبح الفوز على فرق لا تملك عُشر مواردنا يبدو أحيانًا وكأنه إنجاز يُنتزع بشق الأنفس؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تشغل بيريز وإدارته، والمسؤولين عن بناء الفريق واختياراته الفنية.
لكن قناة النادي نجحت في تحويل أنظار ووعي جزء من الجمهور عن هذه الأسئلة نحو عدو خارجي جاهز لتحمّل مسؤولية كل إخفاق.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لريال مدريد ليس أن يعجز عن فرض تفوقه على خصوم أضعف منه، بل أن يقتنع جمهوره بأن هذا العجز ليس فشلًا يستوجب المحاسبة الشديدة، وإنما مؤامرة تستوجب أن يتوحّد المدريديستا جميعًا لمواجهتها، وأن يصطفّوا خلف الإدارة في معركتها المزعومة ضد التحكيم، بدل أن ينشغلوا بمساءلتها عمّا يحدث للفريق داخل الملعب.
وهكذا تتحوّل الإدارة من طرف يُفترض أن يُحاسَب على الإخفاق، إلى طرف يُطلب من الجمهور الالتفاف حوله باعتباره ضحية لمؤامرة.
[معيار لغولر… واستثناء للبقية].
لم يخسر مورينيو في الدقيقة 52 أمام أتليتيكو… خسر في المؤتمر الصحفي.
لن أبني نقدي لمورينيو على هزيمتنا أمام أتلتيكو مدريد اليوم، ولن أستعمل مباراة لعب ريال مدريد أربعين دقيقة منها بعشرة لاعبين لإثبات فشل مشروع مورينهو بالكامل.
كانت النتيجة 0-0 حتى الدقيقة 52، قبل أن يرتكب هويسن خطأ داخل المنطقة، فيُطرد ويسجل غريمالدو ركلة الجزاء، ثم يضيف جوناثان ديفيد الهدف الثاني.
خطأ قلب مدافع غيّر ظروف المباراة لا يصلح وحده دليلًا على فشل نظام لعب.
لا أحتاج إلى مباراة أتلتيكو أصلًا للحكم على ريال مورينهو.
مشكلتي مع مورينيو لا تبدأ من الدقيقة 52 أمام أتليتيكو مدريد.
بل بدأت من مؤتمر صحفي سابق قال فيه أن بالطبع يريد مبابي وفيني وبيلينغهام. وأن أي مدرب يريد أفضل اللاعبين.
مشكلتي مع مورينهو هي أنه كانت أمامه ثلاث تجارب سابقة يستطيع تحليلها :
-موسم أنشيلوتي الأخير.
- نصف موسم تشابي ألونسو.
- ونصف موسم ألفارو أربيلوا.
ثلاثة مدربين بهويات مختلفة، لكنهم اصطدموا تقريبًا بالمشاكل نفسها :
◀️ - كيف تجمع مبابي وفينيسيوس وبيلينغهام من دون أن يتحول تفوق الأسماء إلى اختلال في الوظائف؟
◀️ - هل يستطيع ثنائي تشواميني–فالفيردي وحده منح الفريق التدرج بالكرة والتحكم في الإيقاع وصناعة اللعب من العمق؟
◀️ - أين يلعب أردا غولر عندما يحتل بيلينغهام المناطق المركزية والهجومية نفسها التي يحتاجها التركي؟
كان يمكن لمورينيو أن يقول إن الجمع بين أفضل اللاعبين يحتاج إلى توازن دقيق، أو إن الأسماء لا تضمن التوافق، أو إن التشكيلة ستتحدد بحسب المنافس وحاجات المباراة.
لكنه اختار جوابًا آخر : يريد مبابي وفينيسيوس وبيلينغهام لأنهم الأفضل، وأي مدرب يريد أفضل اللاعبين.
لكن إذا كان هذا التصريح الصادر منه يعبّر فعلًا عن معيار قراره، فنحن أمام دليل أخطر من هزيمة أتلتيكو اليوم ؛ لأن هذه ليست إجابة تكتيكية عن سؤال التوافق، بل إجابة عن جودة الأفراد.
السؤال لم يكن هل مبابي وفينيسيوس وبيلينغهام لاعبون كبار؟
السؤال (الذي يطرح منذ موسمين) هو هل يستطيعون أداء وظائف متكاملة داخل التشكيلة نفسها، من دون أن يدفع لاعب آخر أو الفريق كله كلفة حريتهم؟
المدرب لا يختار أفضل أحد عشر اسمًا، بل يبني أفضل أحد عشر لاعبًا قادرين على أداء وظائف متكاملة.
وقد تجمع ثلاثة من أفضل لاعبي العالم، ثم تحصل منهم على فريق أقل توازنًا من فريق يضم أسماء أقل بريقًا وأكثر انسجامًا.
هنا نصل إلى ما أسميه «اقتصاد الإعفاءات».
كل نجم يحصل داخل التشكيلة على إعفاء ما : حرية أكبر في الحركة، التزام أقل بالعرض، جهد دفاعي محدود، سماح بفقدان الكرة، أو ضمان شبه دائم للدقائق والمركز.
لكن هذه الإعفاءات ليست مجانية.
إذا بدأ مبابي من اليسار وتحرك فينيسيوس في المساحة نفسها، فمن يحافظ على عرض الملعب؟
إذا صعد بيلينغهام إلى المناطق الهجومية، فمن يستلم بين الخطوط ويضبط إيقاع الهجمة قبل وصولها إلى الثلث الأخير؟
إذا أُعفي الثلاثة جزئيًا من الضغط والعودة، فمن يغلق المساحات ويحمي التحولات؟
إذا كان وجودهم معًا غير قابل للنقاش، فمن يُغيّر مركزه، ومن يُسحب أولًا، ومن يتحول إلى عامل توازن يخدم أسماء أعلى منه رتبة؟
النجوم يحصلون على الحرية، لكن لاعبًا آخر يدفع فاتورتها التكتيكية.
وهذا هو السؤال الذي لم يجب عنه تصريح مورينيو.
قوله إنه يريد الأفضل لا يخبرنا كيف سيوزع الكلفة التي يفرضها وجود الأفضل معًا.
بل قد يكشف أنه يبدأ من الأسماء ثم يبحث لها عن توزيع، بدل أن يبدأ من الوظائف ثم يختار لها الأسماء المناسبة.
لكن أيضا يجب أن نكون منصفين مع مورينيو ودقيقين في تحديد مسؤوليته.
إذا اصطدم أربعة مدربين مختلفين بالمشكلات نفسها، فإن مشكلة «المدرب» تصبح ضعيفة في تفسير كل ما يحدث، بينما تتقوى الأطروحة المؤسسية.
لا يمكن تحميل أنشيلوتي وألونسو وأربيلوا ومورينيو المسؤولية كاملة، ثم تجاهل المتغير الوحيد الذي لم يتغير بينهم :
إدارة فلورنتينو بيريز، وترتيب السلطة داخل النادي، وطبيعة المشروع الذي تُبنى فيه التشكيلة.
لا أحتاج إلى الادعاء بأن مبيعات قمصان النجوم ومداخيل حقوق صورهم تذهب مباشرة إلى دفع أقساط البرنابيو.
يكفي أن النموذج التجاري لريال مدريد يمنح قيمة استثنائية للاعب القابل للتحول إلى واجهة عالمية : صورة، قميص، إعلان، جولة تجارية، جمهور وأسواق جديدة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول القيمة التجارية من عامل داخل القرار الرياضي إلى قيد عليه؛ وحين لا يعود السؤال ما اللاعب الذي يحتاجه الفريق؟
بل كيف نبني فريقًا يستوعب الأصول الدعائية التي لا يمكن المساس بها؟
عندها لا يتسلم المدرب تشكيلة ليبنيها بحرية، بل يتسلم مجموعة من الرتب ويُطلب منه حل المعادلة حولها.
إذا كان استبعاد مبابي أو فينيسيوس، أو تقليص صلاحيات بيلينغهام، يعني الدخول في صراع قد ينتهي بإقالة المدرب، فنحن لا نصف مدربًا يملك كامل حرية الاختيار. نحن نصف الحدود القصوى لسلطة أي مدرب داخل ريال مدريد.
وهذه إدانة للبنية قبل أن تكون إدانة لمورينيو.
لذلك لا أحاسب مورينيو الآن لأنه لم يحل المشكلة خلال سبع مباريات.
أحاسبه، مبدئيًا، لأنه قدّم خطابًا يوحي بأن المشكلة ليست موجودة أصلًا.
هناك فارق بين مدرب يقول :
«أعرف أن جمع مبابي، فيني، بيلينغهام، يفرض كلفة، وسأبحث عن التوازن المناسب»...
ومدرب يقول :
«إنهم الأفضل في العالم، ولذلك أريدهم معًا».
الأول شخص المشكلة ولو لم يجد حلها بعد.
أما الثاني فيعيد تقديم سبب المشكلة باعتباره حلًا لها.
وقد يكون مورينيو مقيدًا فعلًا بقرارات بيريز وترتيب النجوم داخل غرفة الملابس. لكن مسؤوليته تبدأ عندما يتوقف عن إدارة القيد ويحوله إلى قناعة فنية ؛ وعندما لا يكتفي بقبول الثوابت والرتب المفروضة عليه، بل يمنحها شرعية كروية.
عندها يصبح «المدرب الدمية» وصفًا لبنية السلطة، لا مجرد شتيمة شخصية : مدرب يتحمل مسؤولية النتائج، لكنه لا يملك بالضرورة سلطة كاملة على الشروط التي تصنعها.
[معيار لغولر… واستثناء للبقية].
2/2
وقبل الانتقال إلى حالة أردا غولر، هناك تصريح آخر لمورينيو يكشف المشكلة بصورة أوضح.
حين سُئل عن جودة غولر، أجاب بما معناه : أنا لا أضع لاعبًا في التشكيلة لمجرد أنه جيد جدًا، بل أختار ما تتطلبه المباراة وطبيعة الخصم.
وهذا كلام سليم تمامًا ؛ بل هو المعيار الوظيفي نفسه الذي نطالب به : لا يلعب اللاعب لأن اسمه أكبر، وإنما لأن خصائصه تجيب عن الأسئلة التي تطرحها المباراة.
لكن هذا المعيار اختفى عندما كان الحديث عن مبابي وفينيسيوس وبيلينغهام، فتحولت الإجابة من «ماذا تتطلب المباراة؟» إلى «إنهم الأفضل، وأي مدرب يريد أفضل اللاعبين».
التصريحان ليسا متناقضين منطقيًا ؛ إذ يستطيع مورينيو القول إن وجود الثلاثة هو ما تتطلبه كل مباراة.
لكن المشكلة في اتجاه تطبيق المعيار:
حين يتعلق الأمر بغولر، يسأل هل يحتاجه الخصم؟ وأين يمكن توظيفه؟ وما الذي تتطلبه المباراة؟
وحين يتعلق الأمر بأصحاب الرتب الأعلى، يصبح وجودهم هو نقطة البداية التي يجب تكييف المباراة والتشكيلة حولها.
ولست أدّعي أن مورينيو يستبعد غولر ؛ فقد بدأ أساسيًا في الديربي نفسه. الاتهام أدق من ذلك : المعيار الوظيفي يُستدعى في اتجاه واحد.
بعض اللاعبين يجب أن يثبتوا أنهم يناسبون متطلبات المباراة، بينما يتحول بعضهم الآخر إلى جزء ثابت من هذه المتطلبات.
يُستخدم المعيار لتقييد دور لاعب أو تغيير مركزه أو تبرير استبداله، لكنه لا يُستعمل بالصرامة نفسها لمساءلة لاعب أعلى منه رتبة.
وهذا ليس مجرد اختلاف بين تصريحين ؛ إنه «اقتصاد الإعفاءات» وقد أصبح منطوقًا : لاعبون يخضعون لحاجات المباراة، ولاعبون يُعاد تعريف حاجات المباراة انطلاقًا من ضرورة وجودهم.
ومن هنا، فمشكلة غولر ليست في عدد دقائق لعبه…
غولر صنع 27 فرصة في الليغا، مقابل 13 لبيلينغهام وفينيسيوس مجتمعين.
الاتهام بأنه لا يلعب كثيرا قد يسقط أمام هذه الأرقام وعدد مرات تواجده بالتشكيلة الأساسية.
لكن المسألة الأهم ليست هل بدأ غولر أساسيا أم دخل بديلا ؟
المسألى الأهم هي أين بدأ، وما الوظيفة التي يُطلب منه أداؤها، وأي مساحة يتركها له وجود بيلينغهام والثنائي الهجومي؟
حين يُدفع غولر إلى الطرف أو يبدأ من موقع يقلل حضوره المركزي، بينما يُترك العمق للاعب يميل إلى الحسم بعد الاستلام أكثر من تنظيم الهجمة قبله، فأنت لم تستبعد غولر من التشكيل الأساسي ؛ لكنك قد تكون استبعدت الوظيفة التكتيكية التي يمثلها.
غولر ليس مهمًا لأنه اسم يجب أن ينافس اسمًا آخر، بل لأنه يقدم إحدى أهم الوظائف التي يحتاجها ريال مدريد أمام الدفاعات المستقرة : الاستلام بين الخطوط، التفكير قبل وصول الكرة، ربط الوسط بالهجوم، وصناعة الفرصة من داخل البنية بدل انتظار المراوغة أو الاندفاع أو الخطأ الفردي للمنافس.
يمكن فتح البلوكات بوسائل أخرى : العرض، والتحركات من دون كرة، والتفوق العددي، والتبديل السريع للجهة. لكن ريال مدريد يحتاج في كل الأحوال إلى لاعب يصنع القرار الجماعي، لا إلى مجموعة لاعبين ينتظر كل واحد منهم لحظته الفردية.
لهذا لا أقول إن مورينيو عاجز عن بناء نظام يجمعهم.
لم تكتمل العينة لإثبات ذلك لغاية الآن.
ولا أقول في الوقت نفسه إنه اختار نهائيًا التخلي عن النظام والرهان على الفرديات ؛ فقد يكون الاعتماد على جودة النجوم في بداية الموسم خيارًا مرحليًا وعقلانيًا إلى أن يتشكل الانسجام.
ما نستطيع قوله الآن أضيق وأدق :
خطابه يكشف أولوية محتملة : حماية الرتب أولًا، ثم محاولة تكييف الوظائف معها.
أما هل هي مجرد مرحلة انتقالية، أم عقيدة ستقود موسمه كله، فهذا ما ستجيب عنه المباريات المقبلة.
--------
الخاتمة
قد يُقال لي : الفريق يفوز، والنقاط حاضرة، وسبع جولات لا تصنع حكمًا نهائيًا. وهذا صحيح ؛ لذلك لا أقول إن مشروع مورينيو فشل بشكل حتمي.
أقول شيئًا آخر أكثر إزعاجًا : لم يتغير حتى الآن شيء جوهري في الشروط التي صنعت المعضلة خلال التجارب السابقة.
الأسماء المحصّنة نفسها، والإعفاءات نفسها، والوظائف المعطّلة نفسها، والفاتورة التكتيكية يدفعها اللاعب الأقل رتبة.
أربعة مدربين متعاقبون بهويات مختلفة، وعقدة واحدة لم تجد حلًا : كيف يتحول تجميع أفضل الأفراد إلى أفضل فريق، لا إلى تشكيلة تبحث عن أحد عشر مكانًا يناسب ترتيب النجوم؟
المدربون الثلاثة السابقون لم ينجحوا في تجاوز هذه المشكلة.
أما ما يثير القلق مع مورينيو، فهو أن جوابه في المؤتمر الصحفي يوحي بأنه قد لا يعترف بوجود المشكلة أصلًا : إنهم الأفضل، ولذلك يجب أن يلعبوا.
بذلك تصبح كلمة «الدمية» توصيفًا لبنية السلطة وليست شتيمة.
فالدمية ليست المدرب الذي يخسر، بل المدرب الذي يتسلّم مقدمات القرار جاهزة ثم يمنحها شرعية فنية بدل مساءلتها ؛ يُطلب منه بناء الفريق حول أسماء غير قابلة للنقاش، وتحمل كلفة اختلالاتها، ثم يُحاسب وحده على النتائج.
المشكلة ليست خسارة رودري.
إذا انتهت قصة رودري فعلًا بابتعاده عن ريال مدريد، فلا أرى أن عدم التعاقد معه هو الكارثة التي توحي بها الدراما المنفجرة منذ أمس.
نعم رودري كان سيمنح مورينيو ما تفتقده هذه التشكيلة : لاعبًا يستقبل من الدفاع تحت الضغط، يربط الخطوط، يحدد سرعة اللعب، ويوفر الحماية خلف الكرة.
وكان سيضيف إلى هوية مورينيو طبقة أكبر من التحكم.
لكنه لم يكن المشروع كله، ولا ينبغي أن يتوقف نجاح فريق كامل على لاعب واحد.
المشكلة الحقيقية أعمق من عدم التعاقد مع رودري :
◀️ — موسم إضافي مع مبابي وفينيسيوس وبيلينغهام، من دون حل واضح لتوزيع المساحات والأدوار والأعباء الدفاعية بينهم.
◀️ — موسم إضافي مع كامافينغا وتشواميني وفالفيردي، من دون محور منظّم يقود البناء ويضبط إيقاعه.
◀️ — منح اللاعبين عقود ورواتب سخية تجعل تصحيح بعض القرارات وبيع اللاعبين لاحقًا أكثر تعقيدًا.
◀️ — سوق تعاقدات تتقدم فيه قيمة الاسم والفرصة السوقية (حسب اقتناع كالافات وخوسيه سانشيز) على السؤال الفني البسيط : ما الوظيفة التي يحتاجها الفريق؟
هذه المشاكل كلها نتيجة طريقة واحدة في التفكير والإدارة.
تجميع لاعبين نجوم، ثم مطالبة المدرب بأن يصنع منهم فريقًا متكاملًا بعد ذلك.
وبالتركيبة الحالية، ومن دون لاعب وسط ينظّم اللعب من العمق (ماك أليستر، جواو نيفيز، فيتينها) ويفرض إيقاع الفريق على المباراة، فالأرجح أننا لا نتجه إلى ريال مدريد يهيمن على خصومه الكبار أو يجبرهم على التراجع.
أمام فرق مثل مانشستر سيتي وبرشلونة وباريس والأرسنال، لن يكون ريال مدريد هو الفريق الذي يحتكر الكرة، ويثبت خصمه حول منطقة جزائه، ويدير المباراة وفق الإيقاع الذي يريده.
الأقرب هو العكس :
كتلة منظمة تنتظر، تغلق العمق والمساحات، تسمح للخصم بالتقدم، ثم تحاول ضربه فور فقدان الكرة، مستفيدةً من سرعة مبابي وفينيسيوس ودياموندي وانطلاقات بيلينغهام وفالفيردي.
أي أننا، بعد كل هذا التغيير، قد ننتهي إلى الفريق نفسه الذي رفضناه في الموسمين الماضيين : فريق لا يفرض المباراة، بل ينتظر أن يفرضها الخصم ثم يبحث عن لحظة يضربه فيها بمرتدة أو تحول.
2⃣ ـ لماذا يحتاجه مورينيو داخل هويته الجديدة؟
⏪ - أولًا : يمكنه تغيير وظيفة مبابي… ولكن بشرطين.
هذه الإمكانية لا تظهر إذا كان إسبي مجرد بديل يدخل عندما يغيب مبابي أو يحتاج إلى الراحة.
في هذا السيناريو لا يحرر إسبي مبابي، بل يحل محله مؤقتًا ويمنح مورينيو بروفايلًا مختلفًا في المركز نفسه.
أما إذا لعب الاثنان معًا — بمبابي منطلقًا من اليسار، أو مهاجمًا ثانيًا حول إسبي، أو داخل رسم قريب من 4-4-2 — فقد تتغير وظيفة مبابي فعلًا.
حينها يستطيع إسبي أن يشغل الموقع المركزي، ويثبت قلبي الدفاع، وينافس على الكرات العالية، ويتحمل جزءًا من الصدام والالتحام الجسدي داخل المنطقة.
وفي المقابل، يتحرك مبابي حوله بدل أن يُطلب منه أداء جميع وظائف رأس الحربة وحده :
لا يحتاج إلى انتظار كل عرضية بين قلبَي دفاع.
ولا إلى استقبال كل كرة مباشرة بظهره إلى المرمى.
ولا إلى البقاء ثابتًا في العمق طوال الهجمة حتى يمنح الفريق مرجعًا مركزيًا.
لكن التعايش على أرض الملعب ليس الشرط الوحيد.
هناك شرط يتعلق بالسلطة أيضًا :
هل يقبل مبابي أن يترك الموقع المركزي لإسبي في بعض المباريات، وأن يبدأ من اليسار أو يتحرك مهاجمًا ثانيًا حول لاعب في الحادية والعشرين قادم من ليفانتي؟
في مقال معضلة مبابي وفينيسيوس وبيلينغهام، كان السؤال الأول هو ما إذا كان مبابي سيقبل أن يصبح العمق مركزه المرجعي.
وجود إسبي لا يحل سؤال السلطة، بل يعيد صياغته.
فبدل أن نسأل هل يقبل مبابي البقاء في العمق؟
قد نسأل أحيانًا :
هل يقبل ألّا يكون هو المرجع المركزي أصلًا؟
لذلك يمكن لإسبي أن يحرر مبابي تكتيكيًا، لكن مورينيو يحتاج أولًا إلى امتلاك السلطة التي تسمح له بتوزيع المراكز بهذه الطريقة.
أما إذا لم يلعبا معًا، فسيمنح إسبي مورينيو بديلًا مختلفًا لمبابي، لا نسخة أقل جودة منه.
⏪ - ثانيًا : يمنح لحظات التسريع والتحولات مهاجمًا تنتهي إليه الهجمة.
في المقالات السابقة التي نشرتها كانت الفكرة الأساسية أن ريال مورينيو قد يحاول الجمع بين مرحلتين :
صناعة الأفضلية عندما لا تكون موجودة.
ثم مهاجمتها فور ظهورها.
قد يصنع ريال مدريد تلك الأفضلية بتحويل اللعب من جهة إلى أخرى، أو بتمريرة تكسر خط الوسط، أو بعزل دياموندي أو فينيسيوس أمام ظهير واحد.
لكن نجاح الجناح في تجاوز مدافعه لا يكفي وحده.
يحتاج الفريق إلى مهاجم يقرأ اللحظة نفسها :
يثبت قلب الدفاع حتى لا يخرج لمساندة الظهير.
يهاجم المسافة بين المدافعين.
يتحرك إلى القائم الأول أو ينتظر الكرة المرتدة.
ثم ينهي الهجمة قبل أن يستعيد الخصم تنظيمه.
وهنا تقع قيمة إسبي داخل هوية مورينيو تحديدًا.
وظيفة مهاجم الصندوق ليست خاصة بمورينيو ؛ كل فريق يمكنه الاستفادة من لاعب طويل يتحرك داخل المنطقة.
لكن قيمتها ترتفع في فريق يريد صناعة لحظات اختلال قصيرة ثم مهاجمتها بسرعة.
إذا كان ريال مورينيو سيعتمد على الضغط العكسي لاستعادة الكرة والخصم بدأ يفتح شكله، أو على تحويل اللعب لعزل الجناح، أو على تمريرة عمودية تكسر خطًا، فإنه يحتاج إلى مهاجم يعاقب ذلك الاختلال قبل أن يختفي.
فريق السيطرة الهادئة يستطيع إعادة تدوير الكرة بعد فشل الفرصة الأولى.
أما الفريق الذي يريد تحويل الاختلال القصير إلى هجمة حاسمة، فتزداد حاجته إلى لاعب يصل فورًا إلى نقطة النهاية بالصندوق.
لهذا لا يصنع إسبي موجة التسريع بمفرده، لكنه يمنحها عنوانًا داخل منطقة الجزاء.
دياموندي قد يصنع الاختلال على الطرف.
ومبابي قد يهاجم المساحة حول الدفاع.
أما إسبي فيصل إلى المكان الذي يمكن أن يتحول فيه هذا الاختلال إلى فرصة أو هدف.
وهنا تفيد ليلة خوسيلو أمام بايرن بوصفها مثالًا على قيمة الوظيفة، لا دليلًا على تطابق اللاعبين.
في الهدف الأول تابع الكرة التي أفلتت من مانويل نوير.
وفي الثاني تحرك أمام المرمى لاستقبال كرة روديغر الأرضية.
لم يصنع الانكسار الذي سبق الهدفين، لكنه قرأ أين ستنتهي الكرة بعده.
تلك الليلة لم تثبت أن ريال مدريد كان يحتاج إلى خوسيلو أساسيًا طوال الموسم، لكنها أثبتت أن امتلاك مهاجم متخصص في الأمتار الأخيرة قد يحسم مباراة لا يحسمها بروفايل آخر بالطريقة نفسها.
وهذا ما يمكن أن يضيفه إسبي :
لا يصنع الطريق بالضرورة، لكنه يصل إلى المكان الذي يفترض أن ينتهي فيه.
⏪ - ثالثًا : يمنح مورينيو طريقًا مباشرًا إضافيًا.
عندما يغلق الخصم منافذ البناء القصير، أو يصبح تداول الكرة في الخلف أكثر خطورة من فائدته، لا يريد مورينيو أن يكون فريقه محكومًا بطريقة واحدة للخروج.
وجود إسبي يسمح لريال مدريد بلعب كرة أطول نحو المهاجم بدل الإصرار دائمًا على تجاوز الضغط بالتمريرات القصيرة.
ليس ضروريًا أن يستلم كل كرة ويحميها لعدة ثوانٍ.
قد تكفي منافسته عليها لكي يجذب قلب دفاع، أو يوجهها إلى أحد زملائه، أو يصنع كرة ثانية يستطيع بيلينغهام أو فالفيردي أو مبابي مهاجمتها.
ولا تكمن قيمة هذه الوظيفة في تشابه إسبي مع مهاجمي مورينيو السابقين، بل في أنها تمنح البناء مخرجًا بديلًا.
فعندما يغلق الخصم مسارات التمرير القصير، يستطيع ريال مدريد تجاوز خط الضغط بكرة مباشرة نحو المهاجم، ثم التقدم حوله لمهاجمة الإسقاط أو الكرة الثانية.
وبذلك لا يبقى الخروج من الخلف مشروطًا بطريق واحد.
وإذا تراجع إلى منطقة جزائه، يوجد مهاجم صندوق يثبت القلوب ويهاجم العرضيات.
وإذا انفتحت المباراة، يستطيع إسبي الوصول إلى نهاية التحولات بدل أن يُطلب منه صناعته بنفسه.
3⃣ ـ ما الذي لا نعرفه بعد؟
أول سؤال يتعلق باللعب بظهره إلى المرمى.
الطول والقدرة على المنافسة الهوائية لا يكفيان لصناعة مهاجم إسناد متكامل على طريقة هاري كين وهالاند.
يجب أن نرى هل يستطيع إسبي استقبال الكرة تحت ضغط قلب الدفاع، وحمايتها، وانتظار صعود الفريق، ثم ربط الهجمة بقرار وتمرير جيدين.
يمكنه أن يكون هدفًا للكرة الطويلة منذ اليوم الأول.
لكن تحوله إلى مرجع يستطيع الفريق البناء حوله يحتاج إلى أكثر من القامة.
والسؤال الثاني يتعلق بالضغط.
النشاط والحركة نحو حامل الكرة لا يعنيان تلقائيًا أن اللاعب قادر على قيادة الموجة الأولى.
رأس الحربة في منظومة ضغط جماعي لا يركض فقط.
عليه أن يعرف متى يخرج، وأي زاوية يغلق، وإلى أي جهة يريد دفع بناء الخصم، وكيف تتكامل حركته مع تمركز اللاعبين خلفه.
لذلك لا نعرف بعد إن كان إسبي يستطيع أن يصبح جزءًا بنيويًا من هوية مورينيو بلا كرة، أم أن قيمته ستبقى أوضح داخل منطقة الجزاء واللعب المباشر.
إذا أثبت قدرته على حماية الكرة وقيادة الضغط، فقد يتحول من خيار تكتيكي إضافي إلى لاعب يسمح لمورينيو بإعادة تشكيل هجومه.
أما إذا اقتصرت قيمته على الإنهاء والكرات العالية، فسيظل أداة مفيدة لمباريات ولحظات محددة، لا أحد أعمدة المشروع.
◀️ ـ الخلاصة :
كارلوس إسبي لا يصل إلى ريال مدريد ليغيّر هوية مورينيو، بل ليمنحها وظيفة كانت غائبة.
مبابي يمنح الهجوم السرعة والحركة حول العمق.
وفينيسيوس ودياموندي يستطيعان صناعة الاختلال من الطرف.
لكن الفريق كان يفتقد مهاجمًا يثبت قلبي الدفاع، ويمنح الكرة المباشرة هدفًا، ويصل إلى المكان الذي ينبغي أن تنتهي فيه الهجمة.
إذا لعب إلى جوار مبابي، فقد يحرره من بعض وظائف رأس الحربة ويفتح له الحركة حول مهاجم مركزي.
لكن ذلك يحتاج إلى أكثر من حل تكتيكي على السبورة.
يحتاج أيضًا إلى قبول مبابي بالدور، وإلى امتلاك مورينيو السلطة لفرضه.
وإذا لعب إسبي بدلًا منه، فسيمنح الفريق طريقة أخرى للهجوم، لا نسخة أقل جودة من الطريقة نفسها.
لهذا لا ينبغي اختصاره في كونه مهاجمًا طويلًا احتياطيًا.
هو احتمال تكتيكي جديد داخل القائمة :
رأس حربة لا يصنع الطريق بنفسه، لكنه يمنح الطريق الذي يصنعه الآخرون نهايةً داخل الصندوق.
أما حجم دوره الحقيقي، فلن يحدده طوله أو المقارنات التاريخية.
سيحدده سؤالان :
هل يستطيع أن يثبت الفريق من خلال اللعب وظهره للمرمى؟
وهل يستطيع أن يكون جزءًا من ضغطه بلا كرة؟
عندها فقط سنعرف إن كان ريال مدريد قد تعاقد مع أداة لمواقف محددة، أم مع مهاجم يستطيع أن يصبح جزءًا حقيقيًا من هوية مورينيو الجديدة.
📋 - لماذا تعاقد ريال مدريد مع كارلوس إسبي؟
وما الذي يضيفه مهاجم ليفانتي إلى هوية مورينيو؟
------
قد يكون أول رد فعل مفهوم لدى كثير من المدريديستا هو :
كيف بعنا غونزالو غارسيا، لنتعاقد مع مهاجم قادم من ليفانتي، لم يكن معظم الجمهور يعرفه قبل ساعات؟
لكن كارلوس إسبي ليست صفقة نجومية، ولا تحتاج إلى أن تكون كذلك حتى نفهم منطقها.
مورينيو لم يكن يستطيع دخول موسم كامل بمبابي بوصفه الخيار الوحيد في مركز المهاجم ؛ ليس لأن مبابي عاجز عن اللعب في العمق، بل لأن العمق الذي يصنعه بحركته وسرعته يختلف عن العمق الذي يمنحه رأس حربة مركزي يثبت قلبي الدفاع، وينافس على الكرة العالية، ويمنح الهجمة حضورًا دائمًا داخل منطقة الجزاء.
والجمهور المدريدي يعرف قيمة هذا الاختلاف.
في موسم 2023-2024 لم يكن خوسيلو النجم الأول في هجوم ريال مدريد، لكنه منح أنشيلوتي وظيفة لم يملكها بقية المهاجمين.
وحين احتاج الفريق في إياب نصف نهائي دوري الأبطال أمام بايرن إلى مهاجم يعيش داخل منطقة الجزاء، دخل وسجل هدفي التأهل في الدقائق الأخيرة.
لم يحتج إلى صناعة الهجمة أو حمل الكرة عشرات الأمتار.
احتاج إلى أن يكون في المكان الذي انتهت فيه.
ومع رحيل المهاجم غونزالو، أصبح هذا النوع من المهاجمين غائبًا عن قائمة ريال مدريد.
لهذا لا ينبغي اختصار التعاقد مع إسبي في طوله البالغ 1.94 مترًا، ولا تقديمه بوصفه محاولة لصناعة «دروغبا جديد».
إسبي لا يغيّر هوية مورينيو، بل يملأ فراغًا داخلها : يمنح الطريق الذي تصنعه السرعة والمراوغة والتمرير نقطة نهاية مركزية داخل الصندوق.
1⃣ ـ ما بروفايل كارلوس إسبي فعلًا؟
الصورة الأسهل هي اعتباره رأس حربة طويلًا يعيش على العرضيات والكرات الهوائية.
لكن إسبي ليس مهاجمًا "مُسَنتِرا" ينتظر الكرة داخل منطقة الجزاء، كما أنه ليس عدّاء تحولات يصنع الهجمة بنفسه بالركض على طريقة مبابي.
لا تكمن خطورته الأساسية في حمل الكرة لمسافات طويلة، أو الانطلاق بها خلف دفاع متقدم، أو مواجهة المدافع وصناعة التفوق الفردي.
قيمته تظهر أكثر من دون الكرة.
يتحرك بين قلبي الدفاع وخلفهما، ويبحث عن المساحة التي ستصل إليها التمريرة قبل وصولها، ثم يدخل منطقة الجزاء في توقيت يسمح له بإنهاء الهجمة بلمسات قليلة.
أي أنه يهاجم المساحة، لكن ليس بطريقة مبابي أو فينيسيوس أو دياموندي.
مبابي يستطيع مهاجمة عمق واسع بسرعته.
ودياموندي يستطيع صناعة التقدم بمواجهة المدافع وحمل الكرة إلى الأمام.
أما إسبي فيتحرك مركزيًا، ويشغل قلبي الدفاع، ويصل إلى المكان الذي ينبغي أن تنتهي فيه الهجمة.
يمكن اختصار بروفايله هكذا :
إسبي ليس اللاعب الذي يحمل الهجمة نحو المرمى، بل اللاعب الذي يمنحها مكانًا تنتهي فيه.
وطوله يضيف إلى هذه الدور قدرة على المنافسة في الكرات العالية والحضور أمام قلبي الدفاع، لكنه لا يجعله تلقائيًا مهاجم إسناد متكاملًا من طراز دروغبا أو أوسيمين.
تلك وظيفة أكبر، وما يزال عليه إثبات قدرته على أدائها.






















