Pinned Tweet
ولو أنّ قومًا أُريدوا بسوءٍ فردّهم الله بنعمةٍ وفضل، لكان أهل قطر أولى الناس بهذا الوصف وأجدرهم بهذا المقام. فإنّ الله إذا تولّى قومًا لم يكِلهم إلى غيره، وإذا أراد بهم خيرًا جعل ما يكرهون مفتاحًا لما يُحبّون، وما يخشون بابًا لما يأمنون.
وإنّ قطر وأهلها لا ينقلبون من أيامهم هذه بسلامةٍ فحسب — بل بفضلٍ ورفعةٍ وغنى، وعاقبةٍ هي فوق ما يحسبه الحاسبون.
وأدام الله لهذه البلاد أميرَها المفدى — أطال الله بقاءه وأعزّ سلطانه وشدّ أزره — فما عرفه الناس إلّا وقورًا إذا طاشت الأحلام، ماضيًا إذا تردّد الرجال، لا تزيده الشدائد إلّا ثباتًا ولا تزيده المحن إلّا بصيرة. ومتّع الله هذه البلاد بسمو الشيخ عبدالله بن حمد — أدام الله توفيقه — عضدًا لا يُثنى وظهيرًا لا يُثنى عزمه. وقومٌ هذا يقينهم بربّهم، وهذا أميرهم، وهذا نائبه — لا يُخذلون ولا يُضامون ولا يبلغ عدوٌّ فيهم مُناه.
حسبنا الله ونعم الوكيل.
قال ابن كثير: «أي الذين توعّدهم الناس بالجموع وخوّفوهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك، بل توكّلوا على الله واستعانوا به».
فكانت الثمرة: ﴿فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء﴾.
قال: «لمّا توكّلوا على الله كفاهم ما أهمّهم، وردّ عنهم بأسَ من أراد كيدهم، فرجعوا إلى بلدهم بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوءٌ ممّا أضمر لهم عدوّهم».
وقال ابن عباس: «النعمة أنهم سَلِموا، والفضل أنهم ربحوا».
ثم قال في قوله ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه﴾: «يخوّفكم أولياءه ويوهمكم أنهم ذوو بأسٍ وذوو شدة — فتوكّلوا عليّ والجؤوا إليّ، فأنا كافيكم وناصركم عليهم».
حسبنا الله ونعم الوكيل.
نُتَف وفوائد retweeted
عصرٌ مع عبد السلام هارون في مكتبة قطر الوطنية
وقفتُ عصر اليوم في مكتبة قطر الوطنية على كتاب «تحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب» لشيخ المحققين عبد السلام هارون. والمكتبة من محاسن الدوحة، ومن المباني القليلة التي تُري الكتاب كما يستحق أن يُرى: رفوف تتدرّج كأنها مدرّجات، وضوء يدخل بأدب، وصمت لا يُطلب منك بل يُهدى إليك. ومن عرف زمنًا كانت الكتب فيه تُطلب بالمراسلة وتُنتظر بالشهور، عرف قدر أن تمدّ يدك إلى الرفّ فتجد.
ولد هارون في الإسكندرية سنة 1909، وحقق «متن أبي شجاع» وهو في السادسة عشرة، وأخرج الجزء الأول من «خزانة الأدب» وهو طالب. وفي هذه السن يبحث أكثرنا عن الطريق إلى الكتاب، لا عن الطريق إلى تحقيقه.
ونُقل من التعليم الابتدائي إلى التدريس في كلية الآداب بالإسكندرية، قالوا: وهي المرة الوحيدة في تاريخ الجامعات. ثم درّس وأشرف وناقش، وهو لا يحمل «لقب العصر وصرعته»، أعني الدكتوراه. الشهادة تُعلّق على الجدار، والعلم يُحمل في الصدر؛ وقد يجتمعان، وقد يفترقان.
أخرج «الحيوان» للجاحظ في ثمانية مجلدات، و«البيان والتبيين»، و«مقاييس اللغة» لابن فارس، و«كتاب سيبويه»، و«خزانة الأدب» في ثلاثة عشر مجلدًا؛ وجاوزت آثاره مئة وخمسة عشر كتابًا. ثم كتب «تحقيق النصوص ونشرها»، فكان أول كتاب عربي في هذا الفن. كأنه بعد أن أصلح الكتب أراد أن يُصلح من يُصلحها.
سُئل عن أستاذه فقال: «سوف تعجب إذا قلت لك إن ابن عمتي الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر كان أستاذي وكنت أستاذه!». وجدّهما الشيخ هارون بن عبد الرازق من كبار علماء المالكية. بيتٌ يكفي أن تعدّ أحفاده لتكتب تاريخ التحقيق في مصر.
والثناء عليه كثير، وأشهره لقبٌ لزمه حتى صار اسمًا ثانيًا: «شيخ المحققين». وعدّه تلميذه محمود الطناحي في «مرحلة الأفذاذ من الرجال» مع أحمد شاكر ومحمود شاكر والسيد أحمد صقر. ونال جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي، وانتُخب أمينًا عامًّا لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأسّس قسم اللغة العربية في جامعة الكويت.
لطيفة: كان آخر لقاء صحفي معه في الدوحة، قبل وفاته بأسبوع. فالدوحة آخر مدينة سمعت صوته، ومكتبتها اليوم تُسمعنا إياه من جديد.
وأما «تحقيقات وتنبيهات» فبدأ تصحيحاتٍ يقيّدها على حواشي نسخته من طبعة بولاق، ثم قابلها على مخطوطة اللسان في دار الكتب، وأعانه الطناحي على المقابلة في الكويت. فرغ منه سنة 1390هـ، ونُشر سنة 1399هـ: 1220 تنبيهًا، يردّ كلٌّ منها إلى «لسان العرب» شيئًا من لسانه.
ومن لطائفه «أيش». يحسبها كثيرون عامية مولّدة، وهارون يقول: «وقد تكلمت العرب به قديماً»، ويستشهد بقول المجنون:
قالوا جننت على أيش فقلت لها
الحبُّ أعظم مما بالمجانين
ثم يقول: «وجدتها في صحيح البخارى». والذي في النسخة المتداولة من البخاري: «أَيُّمَ هو؟»، وأما «إيش هو؟» فرواية أبي داود، كما نبّه ابن حجر. ويبقى الحاصل صحيحًا: «أيش» قديمة، ونحن الذين تأخّرنا عنها.
ومنها لصوص البادية. في المطبوع من اللسان:
أنا بارحُ الجوزاء مالك لا ترى
عيالك قد أمسَوا مراميلَ جُوَّعا
وصوابه «أيا بارحَ الجوزاء»؛ ألفٌ واحدة جعلت اللصّ هو الريح نفسها! قال هارون: «وهذا البيت لبعض اللصوص وكان يخرج إذا هبَّت البوارح»، ونقل عن المرزوقي: «وأَحبُّوا أَن تهبَّ رياح الجوزاء حتى إذا طردوا إبلاً وسرقوها عفَّت الرياح آثارها وآثارهم ، فأمنوا أن يُقْتَفَى أثرهم». لصٌّ يستمطر الريح كما يستمطر غيره الغيث.
ومنها: «وامرأة لبقة ... ويليق بها كل ثوب»، والوجه «يَلْبَق». قال: «ولا تزال هذه الكلمة الفصيحة مستعملة في لغة أهل الكويت والخليج العربي». نتكلم الفصحى في أسواقنا ولا ندري.
ومنها دعابته المصرية: في اللسان «لغة يمانية ثم فشت في مصر»، فقال إن الصواب «في مُضَر»، «ولا دخل لمصر — حرسها الله — في لهجات العربية القديمة».
خرجتُ من المكتبة والشمس تميل، وفي جيبي ورقةٌ فيها ثلاث كلمات: أيش، والجوزاء، ويلبق. وهذا أطيب ما يخرج به المرء من مكتبة.
والله المستعان.
عصرٌ مع عبد السلام هارون في مكتبة قطر الوطنية
وقفتُ عصر اليوم في مكتبة قطر الوطنية على كتاب «تحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب» لشيخ المحققين عبد السلام هارون. والمكتبة من محاسن الدوحة، ومن المباني القليلة التي تُري الكتاب كما يستحق أن يُرى: رفوف تتدرّج كأنها مدرّجات، وضوء يدخل بأدب، وصمت لا يُطلب منك بل يُهدى إليك. ومن عرف زمنًا كانت الكتب فيه تُطلب بالمراسلة وتُنتظر بالشهور، عرف قدر أن تمدّ يدك إلى الرفّ فتجد.
ولد هارون في الإسكندرية سنة 1909، وحقق «متن أبي شجاع» وهو في السادسة عشرة، وأخرج الجزء الأول من «خزانة الأدب» وهو طالب. وفي هذه السن يبحث أكثرنا عن الطريق إلى الكتاب، لا عن الطريق إلى تحقيقه.
ونُقل من التعليم الابتدائي إلى التدريس في كلية الآداب بالإسكندرية، قالوا: وهي المرة الوحيدة في تاريخ الجامعات. ثم درّس وأشرف وناقش، وهو لا يحمل «لقب العصر وصرعته»، أعني الدكتوراه. الشهادة تُعلّق على الجدار، والعلم يُحمل في الصدر؛ وقد يجتمعان، وقد يفترقان.
أخرج «الحيوان» للجاحظ في ثمانية مجلدات، و«البيان والتبيين»، و«مقاييس اللغة» لابن فارس، و«كتاب سيبويه»، و«خزانة الأدب» في ثلاثة عشر مجلدًا؛ وجاوزت آثاره مئة وخمسة عشر كتابًا. ثم كتب «تحقيق النصوص ونشرها»، فكان أول كتاب عربي في هذا الفن. كأنه بعد أن أصلح الكتب أراد أن يُصلح من يُصلحها.
سُئل عن أستاذه فقال: «سوف تعجب إذا قلت لك إن ابن عمتي الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر كان أستاذي وكنت أستاذه!». وجدّهما الشيخ هارون بن عبد الرازق من كبار علماء المالكية. بيتٌ يكفي أن تعدّ أحفاده لتكتب تاريخ التحقيق في مصر.
والثناء عليه كثير، وأشهره لقبٌ لزمه حتى صار اسمًا ثانيًا: «شيخ المحققين». وعدّه تلميذه محمود الطناحي في «مرحلة الأفذاذ من الرجال» مع أحمد شاكر ومحمود شاكر والسيد أحمد صقر. ونال جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي، وانتُخب أمينًا عامًّا لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأسّس قسم اللغة العربية في جامعة الكويت.
لطيفة: كان آخر لقاء صحفي معه في الدوحة، قبل وفاته بأسبوع. فالدوحة آخر مدينة سمعت صوته، ومكتبتها اليوم تُسمعنا إياه من جديد.
وأما «تحقيقات وتنبيهات» فبدأ تصحيحاتٍ يقيّدها على حواشي نسخته من طبعة بولاق، ثم قابلها على مخطوطة اللسان في دار الكتب، وأعانه الطناحي على المقابلة في الكويت. فرغ منه سنة 1390هـ، ونُشر سنة 1399هـ: 1220 تنبيهًا، يردّ كلٌّ منها إلى «لسان العرب» شيئًا من لسانه.
ومن لطائفه «أيش». يحسبها كثيرون عامية مولّدة، وهارون يقول: «وقد تكلمت العرب به قديماً»، ويستشهد بقول المجنون:
قالوا جننت على أيش فقلت لها
الحبُّ أعظم مما بالمجانين
ثم يقول: «وجدتها في صحيح البخارى». والذي في النسخة المتداولة من البخاري: «أَيُّمَ هو؟»، وأما «إيش هو؟» فرواية أبي داود، كما نبّه ابن حجر. ويبقى الحاصل صحيحًا: «أيش» قديمة، ونحن الذين تأخّرنا عنها.
ومنها لصوص البادية. في المطبوع من اللسان:
أنا بارحُ الجوزاء مالك لا ترى
عيالك قد أمسَوا مراميلَ جُوَّعا
وصوابه «أيا بارحَ الجوزاء»؛ ألفٌ واحدة جعلت اللصّ هو الريح نفسها! قال هارون: «وهذا البيت لبعض اللصوص وكان يخرج إذا هبَّت البوارح»، ونقل عن المرزوقي: «وأَحبُّوا أَن تهبَّ رياح الجوزاء حتى إذا طردوا إبلاً وسرقوها عفَّت الرياح آثارها وآثارهم ، فأمنوا أن يُقْتَفَى أثرهم». لصٌّ يستمطر الريح كما يستمطر غيره الغيث.
ومنها: «وامرأة لبقة ... ويليق بها كل ثوب»، والوجه «يَلْبَق». قال: «ولا تزال هذه الكلمة الفصيحة مستعملة في لغة أهل الكويت والخليج العربي». نتكلم الفصحى في أسواقنا ولا ندري.
ومنها دعابته المصرية: في اللسان «لغة يمانية ثم فشت في مصر»، فقال إن الصواب «في مُضَر»، «ولا دخل لمصر — حرسها الله — في لهجات العربية القديمة».
خرجتُ من المكتبة والشمس تميل، وفي جيبي ورقةٌ فيها ثلاث كلمات: أيش، والجوزاء، ويلبق. وهذا أطيب ما يخرج به المرء من مكتبة.
والله المستعان.
نُتَف وفوائد retweeted
الحنين حين كان مرضًا..
قد لا يعرف كثير من القراء أن «الحنين إلى الوطن» كان في كتب الطب داءً له اسم وأعراض ودواء؛ فقد صاغ الطبيب السويسري يوهانس هوفر سنة 1688م كلمة «نوستالجيا» من اليونانية: نوستوس أي العودة، وألغوس أي الألم، ووصف بها علةً تصيب الجنود السويسريين في خدمة الجيوش الأجنبية؛ يسهرون ويهزلون ويعافون الطعام، ولا يشفيهم إلا الرجوع إلى جبالهم.. ثم انتزع الشعراء الكلمة من الأطباء فصارت شعورًا بعد أن كانت تشخيصًا، وخسر الطب واحدًا من أصدق ما كتب.
تذكرت هذا كله وأنا أعود مريضًا في مستشفى خارج بلادنا الحبيبة قطر.. والمستشفى في اللغة موضع «الاستشفاء»، والاستفعال طلبٌ؛ فهو موضع طلب الشفاء لا موضع الشفاء، واللغة أصدق من اللافتات.
كان صاحبنا لا يسألني عن دائه، وإنما عن الأهل واحدًا واحدًا، وعن الدوحة، حتى عن حرّها الذي كان يشكوه وهو فيها.. وفي رسالة «الحنين إلى الأوطان» -المنسوبة إلى الجاحظ وفي نسبتها إليه كلام- أن العرب كانت إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملًا تستنشقه عند النزلة والصداع.
قلت: ما كان صاحبنا يسأل عن الأخبار، وإنما كان يستنشق تراب الدوحة من أخباري، وما علمت أني أحمل دواءً حتى رأيت وجهه يهدأ.
وليس هذا بدعًا في المرضى؛ روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وُعِك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول:
كلُّ امرئٍ مُصَبَّحٌ في أهلِهِ
والموتُ أدنى من شِراكِ نعلِهِ
وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمّى يرفع عقيرته فيقول:
ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً
بوادٍ وحولي إذخِرٌ وجَليلُ
قلت: هذا بلال الذي كانت مكة تُضجعه على رمضائها وتضع الصخرة على صدره، تراه حين حُمّ في المدينة يشتاق إلى إذخرها وجليلها.. الوطن يُغفَر له ما لا يُغفَر لغيره، وهذا من أعجب ما في النفس الإنسانية وأصدقه.
ومالك بن الريب التميمي «ت نحو 60هـ» مرض في خراسان بعد غزوه مع سعيد بن عثمان بن عفان، فقال قصيدته التي يرثي بها نفسه ومطلعها:
ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً
بجنبِ الغَضا أُزجي القِلاصَ النَّواجيا
فليتَ الغَضا لم يقطعِ الرَّكبُ عَرْضَه
وليتَ الغَضا ماشى الرِّكابَ لياليا
لقد كانَ في أهلِ الغَضا لو دنا الغَضا
مزارٌ ولكنَّ الغَضا ليسَ دانيا
ثم قال وقد دنا أجله:
أقولُ لأصحابي ارفعوني فإنّه
يقَرُّ بعيني أن سُهيلٌ بدا ليا
والجميل: أنه كرر «الغضا» ست مرات في ثلاثة أبيات، وليس هذا تكرار شاعر أعوزته الألفاظ، بل تكرار مريض يردد اسم الدواء.. وقد شكك بعض الدارسين في أن يقول محتضرٌ قصيدة بهذا الطول، قلت: من رأى مريضًا في الغربة لم يستكثر عليه هذا ولا أكثر منه. وأما سهيل فنجمٌ يمانٍ لا يطلع على خراسان، فكان طلبُه أن يُرفع ليراه أشبه بطلب مريضٍ عندنا أن تُفتح له نافذة إلى الجنوب.
خرجتُ من المستشفى وأنا أفكر في هوفر وجنوده، وفي رمل الجاحظ، وفي إذخر بلال وغضا مالك؛ فوجدتها كلها تقول شيئًا واحدًا: الأطباء يعالجون المرض، والوطن يعالج المريض.
اللهم أنت الصاحبُ في السفر والخليفةُ في الأهل؛ فاصحب كلَّ مريضٍ في غربته، واخلفه في أهله، وردّه إليهم آيبًا تائبًا حامدًا.
نُتَف وفوائد retweeted
ترجمة الوجيه الأديب الشيخ عبد الله بن محمد آل خاطر، سبط المؤسس الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني:
أخو المكارمِ عبدِ الله مَنْ حَسُنَتْ
في المسلمينَ له آثارُ إنعامِ
حوى المكارمَ عن جدٍّ أخي ثقةٍ
وعن مآثرِ أخوالٍ وأعمامِ
ما كان في قَطَرٍ من فضلِ منقبةٍ
إلا وقاسمُ فيها القادمُ السامي
في أواخر المجلد الثاني من كتاب «نزهة الأبصار بطرائف الأخبار والأشعار» (ص 1058–1070، طبعة المكتب الإسلامي بدمشق) لعالم قطر وأديبها الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن درهم (1290–1362هـ)، يمضي القارئ مع المؤلف عبر مئات الصفحات في ديوان العرب القديم، حتى إذا قارب الكتابُ منتهاه، انفتح له بابٌ دافئ من أبواب الوفاء؛ هناك حيث يقف ابن درهم ليترجم لصفيِّه وقرّة عينه الوجيه الأديب أبي الفضل الشيخ عبد الله بن محمد بن حسن آل خاطر رحمه الله، الذي اخترمته المنية سنة 1326هـ (1908م)؛ فيثبت أولاً مرثية العلامة الشيخ سليمان بن سحمان الميمية التي جاوب بها مرثية الشيخ محمد بن حسن المرزوقي ومنها هذه الأبيات الثلاثة، ثم يضع القلم على الورق ليرسم بكلماته صورة صاحبه كما عرفه وعايشه؛ يقول رحمه الله (ص 1061–1062):
«وحيث ذكرتُ مرثية الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله، في المرحوم الشيخ عبد الله بن محمد آل خاطر، أحببتُ أن أذكر طرفاً من سيرته وحسن سمته ومروءته، وهو عبد الله بن محمد بن حسن بن خاطر العيوني من القبيلة المعروفة بآل أبي عينين، وكان الشيخ المرحوم قاسم آل ثاني رحمه الله جدَّه لأمه، ومات أبوه صغيراً ورُبِّي في كنف جده الشيخ قاسم وخاله الشيخ عبد الله بن الشيخ قاسم وناله ببركة تربيتهما صلاحٌ وحسنُ أدبٍ وعفةٌ وسموٌّ للمكارم، واجتنابٌ للرذائل، ولما توسّما فيه مخائل النجابة جلَّ في أعينهما، وأمدّاه من المال بما جمّله وأغناه، وكان يتجر في اللؤلؤ، ورُزق في تجارته قبولاً وبركةً وحسن توفيق. وكان رحمه الله من خيار بني جنسه في جميع أحواله، ذا دينٍ متين ومحبةٍ لأهل العلم والصلاح، وكان كثير المطالعة في كتب العلم والتواريخ والأدب، وكان ذا شفقةٍ على أقاربه وذويه وأصحابه ومن يدانيه، يبذل لهم من الإحسان ما يقدر عليه بتواضعٍ وتوددٍ ونفسٍ مطمئنة، لا يملّه جليسه ولا ينفر منه أنيسه، فرُزق لذلك محبةً من الخاص والعام، ونُظر بعين الإجلال والاحترام، وكان كثير التلاوة للقرآن وكان مواظباً على الأوراد الواردة في الصباح والمساء، لا يخلّ بها. وأما الكرم والسماحة، وحسن الخلق وحسن المحاضرة، لمن جالسه فقد أخذ من ذاك بحظٍّ وافر، وكان ذا عقيدة سلفية محباً لأهل هذه العقيدة، قالياً لمن سواهم، وكان مواظباً على الصلاة في أول وقتها، ومتفقداً جيرانه وخدامه مؤدباً لمن تخلف عنها بلا عذر، ولم يزل يزداد من الخصال الحميدة إلى أن اخترمته المنية، أحلّه الله أعلى منازل الأبرار آمين».
ثم يفضي ابن درهم بعد هذا الوصف إلى سرّ تلك العلقة الروحية التي جمعته بصاحبه؛ فيذكر أنه كان بينهما «مودة أكيدة دينية وصحبة أدبية»، وأنه كان في تلك الأيام مشتغلاً بطلب المعيشة وكدحها، فإذا ثقلت عليه همومُها وتأخر عن صاحبه أياماً ثم زاره؛ تسلّى بمجلسه ونسي ما نابه من أمر معيشته! وأنشد في ذلك (ص 1062):
خليلٌ أظلُّ إذا زرتُهُ
كأنيَ أُنشأُ خلقاً جديدا
أراني وإن كَثُرَ المؤنسون
ما غبتُ عنهُ فريداً وحيدا
بلوتُ سجاياهُ في النائبات
فلم أبلُ منهنَّ إلا حميدا
فسقى الله بغيث الرحمة والغفران ثَرى المؤسس الشيخ قاسم بن محمد، وسبطِه الشيخ عبد الله بن محمد آل خاطر، وصاحبِه الوفيّ الشيخ عبد الرحمن بن درهم، وأسكنهم الفردوس الأعلى من جناته، وجمعهم في مستقرّ رحمته كما جمعهم في الدنيا على المودّة فيه، آمين.
والعرب تقول: إذا جاء عقيب المَحْل أو عند الحاجة إليه فهو الغيث، وإذا أحيا الأرض بعد موتها فهو الحيا، وإذا دام مع سكون فهو الديمة. ولهم في ترتيبه كلام: أوله رش وطش، ثم طل ورذاذ، ثم نضح ونضخ، ثم هطل وتهتان، ثم وابل وجَود. والعرب لا تُكثر الأسماء إلا لما عظُم في صدورها؛ ولو كانوا أهل أنهار جارية لما احتفلوا له هذا الاحتفال.
في الغيث وقلب الرداء
الاستسقاء — أيّد الله أميرنا المفدى — مقام مشهود، وموقف محمود؛ يتساوى الناس فيه في الافتقار، ويتفاضلون بحسب الانكسار؛ فما يُنال إلا بالضراعة، ولا يُستفتح إلا بالطاعة، ولا يُلبس له إلا ثوب الخشوع، ولا يُخطب فيه إلا بلسان الخضوع. وقد خرج إليه سمو الشيخ تميم بن حمد — أدام الله عزه — على سنة مَن خرج ﷺ «متبذلًا متواضعًا متضرعًا».
فأما قلب الرداء، فسنة مأثورة، وإشارة مشهورة؛ ظاهرها قلب ثياب، وباطنها قرع باب. ففي الخبر أنه ﷺ استسقى «وحوّل رداءه ليتحول القحط»، وقال أهل العلم في معناه: «غيّرنا ما كنا عليه فغيِّر اللهم الحال». فهو فأل بلا مقال، وسؤال بلسان الحال؛ يقول به العبد لربه: قد بدّلت ما في يدي، فبدِّل ما ليس إلا في يدك. ولله در ابن عَميرة حيث قال: «وسُقيت قبل قلب الرداء»؛ فتلك منزلة مَن سبق غوثُه طلبَه، وبلغ قبل السؤال أرَبَه. جعلنا الله من أهلها.
وأما اللفظ، فإنا آثرنا الغيث على المطر، اقتداءً بالأثر؛ قال سفيان بن عيينة: «ما سمّى الله تعالى مطرًا في القرآن إلا عذابًا، وتسميه العرب الغيث». وحسبُ الغيث أن اسمه قرين الغوث، وأن ذكره في الكتاب رحمة بعد القنوط: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾.
وأما الشعر، فما وُصف مستسقٍ بأصدق مما وصف به أبو طالب رسولَ الله ﷺ؛ وكان ابن عمر يتمثل به ويقول: «ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب»:
وأبيضَ يُستسقى الغمام بوجهه
ثِمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهُلّاك من آل هاشم
فهم عنده في نعمة وفواضل
فجمع له بين سقيا السماء، وكفالة الضعفاء؛ فالغمام بوجهه مستنزَل، والفضل من يده مؤمَّل.
ثم إنا نسأل الله الذي بيده خزائن الغيث، ومقاليد الغوث، أن يسقينا «غيثًا مغيثًا، مريئًا مَريعًا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل»؛ وأن يحرس أميرنا المفدى بعينه التي لا تنام، ويكنفه بركنه الذي لا يُرام؛ وأن يجعل أيامه موصولة بالتأييد، وأعوامه مقرونة بالتسديد؛ وأن يديم على قطر أمنها وإيمانها، وخصبها واطمئنانها؛ فتبقى مصونة الجناب، مخصبة الرحاب، مجابة الدعاء، موصولة النعماء. إنه ولي ذلك والقادر عليه، بمنّه وكرمه.
في الغيث وقلب الرداء
الاستسقاء — أيّد الله أميرنا المفدى — مقام مشهود، وموقف محمود؛ يتساوى الناس فيه في الافتقار، ويتفاضلون بحسب الانكسار؛ فما يُنال إلا بالضراعة، ولا يُستفتح إلا بالطاعة، ولا يُلبس له إلا ثوب الخشوع، ولا يُخطب فيه إلا بلسان الخضوع. وقد خرج إليه سمو الشيخ تميم بن حمد — أدام الله عزه — على سنة مَن خرج ﷺ «متبذلًا متواضعًا متضرعًا».
فأما قلب الرداء، فسنة مأثورة، وإشارة مشهورة؛ ظاهرها قلب ثياب، وباطنها قرع باب. ففي الخبر أنه ﷺ استسقى «وحوّل رداءه ليتحول القحط»، وقال أهل العلم في معناه: «غيّرنا ما كنا عليه فغيِّر اللهم الحال». فهو فأل بلا مقال، وسؤال بلسان الحال؛ يقول به العبد لربه: قد بدّلت ما في يدي، فبدِّل ما ليس إلا في يدك. ولله در ابن عَميرة حيث قال: «وسُقيت قبل قلب الرداء»؛ فتلك منزلة مَن سبق غوثُه طلبَه، وبلغ قبل السؤال أرَبَه. جعلنا الله من أهلها.
وأما اللفظ، فإنا آثرنا الغيث على المطر، اقتداءً بالأثر؛ قال سفيان بن عيينة: «ما سمّى الله تعالى مطرًا في القرآن إلا عذابًا، وتسميه العرب الغيث». وحسبُ الغيث أن اسمه قرين الغوث، وأن ذكره في الكتاب رحمة بعد القنوط: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾.
وأما الشعر، فما وُصف مستسقٍ بأصدق مما وصف به أبو طالب رسولَ الله ﷺ؛ وكان ابن عمر يتمثل به ويقول: «ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب»:
وأبيضَ يُستسقى الغمام بوجهه
ثِمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهُلّاك من آل هاشم
فهم عنده في نعمة وفواضل
فجمع له بين سقيا السماء، وكفالة الضعفاء؛ فالغمام بوجهه مستنزَل، والفضل من يده مؤمَّل.
ثم إنا نسأل الله الذي بيده خزائن الغيث، ومقاليد الغوث، أن يسقينا «غيثًا مغيثًا، مريئًا مَريعًا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل»؛ وأن يحرس أميرنا المفدى بعينه التي لا تنام، ويكنفه بركنه الذي لا يُرام؛ وأن يجعل أيامه موصولة بالتأييد، وأعوامه مقرونة بالتسديد؛ وأن يديم على قطر أمنها وإيمانها، وخصبها واطمئنانها؛ فتبقى مصونة الجناب، مخصبة الرحاب، مجابة الدعاء، موصولة النعماء. إنه ولي ذلك والقادر عليه، بمنّه وكرمه.
نُتَف وفوائد retweeted
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه..
هذه هي المجموعة الثانية من المجالس العلمية الرمضانية في المسجد الأقصى المبارك، وهي في ثلاثة مجلدات، ضمت مجموعة من نوادر الكتب التي تُطبع لأول مرة؛ ومنها تحقيقي لمجموع يحتوي على جزأين نادرين تحتفظ بهما مكتبتي المتواضعة —حفظها الله وزادها من فضله— وهما:
1. جزء الأُشناني (ت 339هـ).
2. الجزء الخامس من عوالي يزيد بن هارون، تخريج الحافظ الكبير القاضي سعد الدين مسعود الحارثي (ت 711هـ)، وهو من الفرائد التي تُنشر لأول مرة.
ومن المخطوطات التي تحتفظ بها مكتبتي المتواضعة —حفظها الله وزادها من فضله— وتم تحقيقها في هذه المجموعة المباركة:
1. "الخبر المختصر من خير السير، سيرة خير البشر" صلى الله عليه وسلم، للإمام شمس الدين البرماوي (ت 831هـ)، بخط تلميذ المؤلف ومقروءة عليه، حققها شيخنا الحبيب سعد السعدان حفظه الله.
2. "الدرة المصونة في أخبار تونس وعلمائها وجامعها الأعظم جامع الزيتونة"، وهي رحلة العلامة الرحالة خليل الخالدي إلى تونس، تُنشر لأول مرة بتحقيق الأخ الحبيب مكتشف النسخة يوسف السناري حفظه الله.
كما ضمت هذه المجموعة عناوين يسيل لها اللعاب؛ ككتب الأديب المبدع ابن المرزبان، وكتب الحافظ العلائي، وكتاب "الحجة العظمى" للإمام ناصح الدين ابن الحنبلي، وهي رسالة في حجج الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم، وذكر أنواعها وطرق عرضها وبيانها، بتحقيق الأخ الحبيب د. يونس بقيان حفظه الله.
وغيرها بل كلها درر..
فالحمد لله رب العالمين، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
أبشركم أيها الأحبة بهذه المجالس العلمية الرمضانية المقروءة والمقابلة في المسجد الأقصى المبارك..
هذه المجالس العلمية في المسجد الأقصى ببيت المقدس هي هدية متواضعة من أهل غزة، إذ أشرف عليها وتابعها وألحّ على نشرها الأخ الحبيب الدكتور محمد خالد كلاب الغزّي من غزة التي تُباد.. من غزّة التي تجوّع.. من غزّة التي دُمّرت على مرأى من الأمم المتحدة وحقوق الإنسان!!!
هدية من أهل غزة لولاة أمورنا الذين ربونا على حب فلسطين وعشق بيت المقدس، وهدية من أهل غزّة للأمة الإسلامية…
هذه غزّة العلم والإيمان… غزّة العز والإباء…
مدينة صغيرة في الصيف والقصف والتجويع تخرج منها هذه الباكورة العلمية التي جمعت طلاب العلم من أقصى المغرب إلى الخليج العربي ثم إلى أقصى المشرق لتذكّرنا بالمسجد الأقصى، ولتقول للأمة:
أما آن لكم أن تجتمعوا وتُكَوّنوا جيشاً موحداً ذا عقيدة عسكرية موحدة؟!
أما آن لكم أن تُكَوّنوا وزارة خارجية موحدة لقضايا الأمة؟!
أما آن لكم أن تُكَوّنوا وزارة اقتصادية موحدة وبنكاً إسلامياً موحداً لتأمين عيش رغيد للمسلمين والقضاء على المجاعة والبطالة وتخليص الدول الإسلامية من فكي البنك الدولي؟!
إنها أحلام المخلصين الذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً، بل يريدونها مزدهرة ومتعاونة مع جميع الأمم على الخير والصلاح.. على حق الحياة للجميع.. على نبذ العنصرية والإبادة الجماعية…
وكتبه واحد من ملايين عشاق بيت المقدس
شبيب بن محمد العطية
المبادئ لا تتجزأ إلا في نفسٍ شوهاء؛ حين تغضب لكرامة إنسان أن تُهدر، فأنت تغضب لكرامة المبدأ الذي تؤمن به، ولا علاقة لذلك بموافق أو مخالف.. فلسطين قضية شريفة كما هي قضايا الأمة الإسلامية كلها، لكن الشرع الذي علّمنا شرف فلسطين وحرمة دم أهلها؛ هو الشرع نفسه الذي حرّم غزو الكويت الأبية، وحرّم إجرام بشار ونظامه البائد في الشام، وحرّم عدوان إيران والحوثي على جزيرة العرب ومهبط الوحي.
عبارة ميكيافيلي «الغاية تبرر الوسيلة» أصل من أصول النفاق السياسي، وأما في ميزان الوحي فالقاعدة: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾، والنداء الإلهي الحاسم: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وقوله ﷺ وهو خارجٌ إلى بدر في أشد الحاجة إلى المقاتلين: «فارجع؛ فلن أستعين بمشرك».. الحق في شريعة الإسلام عزيز غيور، لا يقبل أن يشوب نصرته باطل، ولا يرضى أن تُرفع رايته بيدٍ ملطخة بدم مسلم أو غدر جار.
خرج لصوص على رجل وسلبوه ما معه، ثم إن واحداً منهم ابتعد قليلاً وصلى الضحى! فقال له الرجل: كيف وتوّك سارقني؟ فقال: «تبيني أحارب الله من كل وجه؟!».. تذكرت هذا اللص المتورع وأنا أرى مَن صفّق لغزو الكويت، وتماهى مع مسلخ بشار البائد في الشام، وتحيّز لصواريخ إيران والحوثي على جزيرة العرب؛ فإذا عُوتب قال لك في خشوع مريب: «ولكنهم مع القضية!».. يسلبون الأمة أمنها ودماءها، ثم يصلّون ركعتي «ممانعة» نحو القدس لكيلا يحاربوا الله من كل وجه!
وبعد؛ فمن حِكَم الآباء: «الجوادُ ولو طالت»؛ أي الزم الجادّة المستقيمة الواضحة حتى لو كانت طويلة.. وجادّة الشرع واضحة لا التواء فيها: فلسطين قضية شريفة لا ينصرها إلا شريف المبدأ، طاهر اليد واللسان من دماء المسلمين وأعراضهم وأوطانهم؛ فالحق أكبر من أن يتسول نصرته من الباطل، والله الغني الحميد.
فلسطين بين المحبتين
خواطر حول تغريدة أدهم شرقاوي
توقفتُ طويلاً أمام المشهد: كاتبٌ فلسطيني يكتب تغريدة يقول فيها «أخطرُ إلهٍ عُبد من دونِ الله هو فلسطين»، فتنهال عليه الجموع الغاضبة حتى يحذفها. ولستُ هنا بصدد الدفاع عن حدّة العبارة؛ فقد يكون في صدمة إطلاقها ما يُناقَش فيه صاحبها. وإنما الذي شدّني هو المفارقة العجيبة في ردة الفعل: قومٌ أرادوا تكذيب الرجل، فكانوا هم أنفسهم الشاهدَ على صدقه. فحين يصبح نقدُ «تقديس» القضية جريمةً في حق القضية، فاعلم أن التقديس قد اكتمل فعلاً.
ولا أخفيك أنني كلما استعدتُ التغريدة تذكرتُ تقسيماً باهراً لابن القيم في «مدارج السالكين»، وهو يفرز أنواع المحبة فرزاً دقيقاً: فمحبةُ الله، ومحبةُ ما يحبه الله، والحبُّ لله وفيه، عباداتٌ لا يقوم الإيمان إلا بها. وبقي قسمٌ رابع سمّاه «المحبة مع الله»: أن تحب شيئاً محبةَ استقلالٍ توالي وتعادي عليها لذاتها، ثم قال كلمته الفاصلة: إنها محبة أصحاب الأنداد، وإن صاحبها قد اتخذ محبوبه نداً وإن لم يسجد له.
هنا بالضبط ينفكّ لغز التغريدة. الفرقُ كله بين حرفين: أن تحب فلسطين «لله» — لأن الله شرّفها وأوجب نصرة أهلها المظلومين — فهذه محبة يؤجر عليها العبد وتزيده إيماناً؛ وأن تحبها «مع الله» — مطلقاً قائماً بذاته، يوالى عليه ويعادى، وتُمتحن به ديانة الخلق — فهذه هي المساحة الخطرة التي أراد الرجل التحذير منها، وإن قسا اللفظ.
وسيقول قائل: هذا تخذيلٌ في زمنٍ تحتاج فيه القضية إلى كل صوت. وهذا الاعتراض بالذات أجاب عنه ابن القيم بقاعدةٍ نفيسةٍ تقطع مادته من أصله: «ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو». فالتخذيل والتقديس بابان لعدوٍّ واحد لا يبالي بأيهما ظفر، ومن أغلق أحد البابين لم يفتح الآخر.
على أن أبلغ ردٍّ على تهمة التخذيل هو سيرة شيخه. فابن تيمية ليس منظّراً باردَ القلب؛ هذا رجلٌ هجّره التتار من بلده صبياً، وثبّت أهل دمشق يوم داهمها الغزاة، وخرج بنفسه إلى معركة شقحب، وهو صاحب الكلمة التي تختصر فقه المرحلة كلها: «فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه». فإذا حذّرت مثلُ هذه المدرسة من الغلو بالقضية، فليس ذلك عن برودٍ نحوها، بل عن خوفٍ عليها من نفسها.
ولك أن تتأمل: القضية إنما استمدت عظمتها من تعظيم الشرع لها؛ فإذا انقلبت العلاقة وصارت هي الميزانَ الذي تُمتحن به ديانة الناس — يُزكّى رافعُ شعارها وإن هدم الثوابت، ويُهدر من قصّر بمعيار قائلٍ ما وإن استقام دينه — فقدت مصدرَ شرعيتها ذاته. وما جرى لصاحب التغريدة عيّنةٌ حية: رجلٌ حوكمت ديانته بموقفه من عبارة، لا بموقف الشرع من معناها.
وبميزان الشرع نفسه وَزَنَ ابنُ تيمية الوسائل. لما فاوض التتار في فكاك الأسرى سمحوا له بالمسلمين، فأبى: لا نرضى حتى يُطلَق أسرى اليهود والنصارى، فهم أهل ذمتنا لا ندع أسيراً منهم. في ذروة المواجهة مع أعتى عدوٍّ لم يفلت منه الميزان؛ لأن قضية الحق لا تُنصر إلا بالحق: لا بالكذب، ولا بالمبالغة، ولا برمي كل مخالفٍ في وسائل النصرة بالخيانة.
والمقصود: أن فلسطين أجلُّ من أن تكون صنماً، وأعظم من أن تُختزل في شعار. هي أمانةٌ أوجب الله نصرتها؛ فمن أحبها «لله» حملها بدينه، فثبت مهما تقلبت المراحل؛ ومن أحبها «مع الله» حملها بعصبيته، فانكسر مع أول انكسار. والتفريط فيها خيانة، والغلو بها عن ميزانها خيانة من الباب الآخر — نزغتان لشيطانٍ واحد. اللهم انصر المستضعفين في فلسطين وفي كل أرض، وفُكّ أسرهم، واجبر كسرهم، واحفظ علينا الدين الذي به تعظُم القضايا، وبه وحده تُنصر.
ترجمة الوجيه الأديب الشيخ عبد الله بن محمد آل خاطر، سبط المؤسس الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني:
أخو المكارمِ عبدِ الله مَنْ حَسُنَتْ
في المسلمينَ له آثارُ إنعامِ
حوى المكارمَ عن جدٍّ أخي ثقةٍ
وعن مآثرِ أخوالٍ وأعمامِ
ما كان في قَطَرٍ من فضلِ منقبةٍ
إلا وقاسمُ فيها القادمُ السامي
في أواخر المجلد الثاني من كتاب «نزهة الأبصار بطرائف الأخبار والأشعار» (ص 1058–1070، طبعة المكتب الإسلامي بدمشق) لعالم قطر وأديبها الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن درهم (1290–1362هـ)، يمضي القارئ مع المؤلف عبر مئات الصفحات في ديوان العرب القديم، حتى إذا قارب الكتابُ منتهاه، انفتح له بابٌ دافئ من أبواب الوفاء؛ هناك حيث يقف ابن درهم ليترجم لصفيِّه وقرّة عينه الوجيه الأديب أبي الفضل الشيخ عبد الله بن محمد بن حسن آل خاطر رحمه الله، الذي اخترمته المنية سنة 1326هـ (1908م)؛ فيثبت أولاً مرثية العلامة الشيخ سليمان بن سحمان الميمية التي جاوب بها مرثية الشيخ محمد بن حسن المرزوقي ومنها هذه الأبيات الثلاثة، ثم يضع القلم على الورق ليرسم بكلماته صورة صاحبه كما عرفه وعايشه؛ يقول رحمه الله (ص 1061–1062):
«وحيث ذكرتُ مرثية الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله، في المرحوم الشيخ عبد الله بن محمد آل خاطر، أحببتُ أن أذكر طرفاً من سيرته وحسن سمته ومروءته، وهو عبد الله بن محمد بن حسن بن خاطر العيوني من القبيلة المعروفة بآل أبي عينين، وكان الشيخ المرحوم قاسم آل ثاني رحمه الله جدَّه لأمه، ومات أبوه صغيراً ورُبِّي في كنف جده الشيخ قاسم وخاله الشيخ عبد الله بن الشيخ قاسم وناله ببركة تربيتهما صلاحٌ وحسنُ أدبٍ وعفةٌ وسموٌّ للمكارم، واجتنابٌ للرذائل، ولما توسّما فيه مخائل النجابة جلَّ في أعينهما، وأمدّاه من المال بما جمّله وأغناه، وكان يتجر في اللؤلؤ، ورُزق في تجارته قبولاً وبركةً وحسن توفيق. وكان رحمه الله من خيار بني جنسه في جميع أحواله، ذا دينٍ متين ومحبةٍ لأهل العلم والصلاح، وكان كثير المطالعة في كتب العلم والتواريخ والأدب، وكان ذا شفقةٍ على أقاربه وذويه وأصحابه ومن يدانيه، يبذل لهم من الإحسان ما يقدر عليه بتواضعٍ وتوددٍ ونفسٍ مطمئنة، لا يملّه جليسه ولا ينفر منه أنيسه، فرُزق لذلك محبةً من الخاص والعام، ونُظر بعين الإجلال والاحترام، وكان كثير التلاوة للقرآن وكان مواظباً على الأوراد الواردة في الصباح والمساء، لا يخلّ بها. وأما الكرم والسماحة، وحسن الخلق وحسن المحاضرة، لمن جالسه فقد أخذ من ذاك بحظٍّ وافر، وكان ذا عقيدة سلفية محباً لأهل هذه العقيدة، قالياً لمن سواهم، وكان مواظباً على الصلاة في أول وقتها، ومتفقداً جيرانه وخدامه مؤدباً لمن تخلف عنها بلا عذر، ولم يزل يزداد من الخصال الحميدة إلى أن اخترمته المنية، أحلّه الله أعلى منازل الأبرار آمين».
ثم يفضي ابن درهم بعد هذا الوصف إلى سرّ تلك العلقة الروحية التي جمعته بصاحبه؛ فيذكر أنه كان بينهما «مودة أكيدة دينية وصحبة أدبية»، وأنه كان في تلك الأيام مشتغلاً بطلب المعيشة وكدحها، فإذا ثقلت عليه همومُها وتأخر عن صاحبه أياماً ثم زاره؛ تسلّى بمجلسه ونسي ما نابه من أمر معيشته! وأنشد في ذلك (ص 1062):
خليلٌ أظلُّ إذا زرتُهُ
كأنيَ أُنشأُ خلقاً جديدا
أراني وإن كَثُرَ المؤنسون
ما غبتُ عنهُ فريداً وحيدا
بلوتُ سجاياهُ في النائبات
فلم أبلُ منهنَّ إلا حميدا
فسقى الله بغيث الرحمة والغفران ثَرى المؤسس الشيخ قاسم بن محمد، وسبطِه الشيخ عبد الله بن محمد آل خاطر، وصاحبِه الوفيّ الشيخ عبد الرحمن بن درهم، وأسكنهم الفردوس الأعلى من جناته، وجمعهم في مستقرّ رحمته كما جمعهم في الدنيا على المودّة فيه، آمين.
يُولَع بعضُ الناس بانتزاع صورة واحدة للعالِم، ثم يقيمونه فيها لا يبرحها؛ ولعلّ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية، قدّس اللهُ رُوحَه — من أكثر الأئمة الذين ظلمتهم الصورةُ الذهنية المبتورة، حين غالى فريق — من شانئيه تارة، ومن بعض محبّيه تارة أخرى — في تصوير «حِدّته»، حتى خُيّل لمن يقرؤهم أن الرجل لم يكن سوى سيف مشهور في المخاصمة، وأن قوةَ الحجة قد جفّفت في نفسه منابعَ الرفق والأناة!
غير أنك حين تطوي ضجيج الواصفين، وتُصغي إلى الرجل نفسه في «مجموع الفتاوى» وهو يتحدث عن خصومه الذين رَمَوه بكل قوس، تطالعك نفسٌ وادعة، رحبةُ الأرجاء، تفرّق في وعيٍ عجيب بين الصلابة في أصول الدين، وبين السماحة في حظوظ النفس؛ يقول رحمه الله في «مجموع الفتاوى» (ج 3، ص 245):
«هذا، وأنا في سَعَة صدرٍ لمن يخالفني؛ فإنه وإن تعدّى حدودَ الله فيَّ بتكفيرٍ أو تفسيقٍ أو افتراءٍ أو عصبيةٍ جاهلية، فأنا لا أتعدّى حدودَ الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله وأَزِنه بميزان العدل».
وفي موضعٍ آخر، يكتب إلى أصحابه بدمشق بعد أن أُوذي وحُبس وافتُري عليه، فلا تجد في رسالته حَزازةَ نفسٍ، ولا تشفّيَ منتصر، بل يقول في «مجموع الفتاوى» (ج 28، ص 55–56):
«فلا أحبُّ أن يُنتصَر من أحدٍ بسبب كذبه عليَّ أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللتُ كلَّ مسلم، وأنا أحبُّ الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمنٍ من الخير ما أحبُّه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حِلٍّ من جهتي. وأما ما يتعلّق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم، وإلا فحكمُ الله نافذٌ فيهم؛ فلو كان الرجل مشكوراً على سوء عمله، لكنتُ أشكر كلَّ مَن كان سبباً في هذه القضية لما يترتّب عليه من خير الدنيا والآخرة».
تقرأ هذا الكلامَ النَّديّ، فتدرك سرَّ الكلمة التي لم يملك أشدُّ خصومه — قاضي المالكية ابنُ مخلوف — أن يكتمها حين دارت الأيام وأراد السلطان أن يبطش بالقضاة الذين سَعَوا في حبس الشيخ، فقام ابن تيمية يشفع لهم ويدفع عنهم، حتى قال ابن مخلوف كما في «العقود الدرية»: «ما رأينا أَفْتَى من ابن تيمية؛ لم نُبقِ ممكناً في السعي فيه، ولمّا قَدَر علينا عفا عنّا!».
الحِدّة التي يغالي فيها الغالون لم تكن خُلُقاً لابن تيمية، بل كانت غَيرةً عارضة في مقام الذَّبِّ عن الشريعة؛ أما خُلُقه المقيم الذي عاش به ولقي الله عليه، فقد لخّصه هو في أربع كلمات: «وأنا في سَعَة صدرٍ لمن يخالفني».
ثمرة القلب
تفضّل عليّ الأخُ الحبيبُ والكريم الأستاذ المثنّى بن عبد العزيز الجرباء بنسخةٍ من كتابه البديع «تفاريق العصا: مختارات في معاني كلمات الناس وأمثالهم من القديم والحديث»؛ فإذا أنا أمامَ كتابٍ يَتفرّسُ في وجوه الكلمات التي يتداولها الناسُ في مجالسهم وأسواقهم، ثمّ يأخذ بيدِ الكلمةِ الدارجة أو المَثَل السائر، ليدلّك على شجرةِ نَسَبه الأولى في ديوان العرب.
أخذتُ أقلّبُ أوراقَه، حتّى استوقفتني في (ص 112) منه صفحةٌ دافئة، رأيتُ أن أنقلها هنا بتمامها وحروفها:
ثمرة القلب
كل ما يحبه الإنسان فهو ثمرة قلبه على طريق الاستعارة، ويقال للولد ثمرة القلب. وفي الخبر: «ثمرة القلب: الولد»، ولما غضب معاوية على ابنه يزيد فهجره، قال له الأحنف: يا أمير المؤمنين أولادنا ثمرة قلوبنا وعماد ظهورنا ونحن لهم سماء ظليلة وأرض ذليلة؛ إن غضبوا فأرضهم، وإن سألوا فأعطهم، ولا تكن عليهم قفلا، فيملوا حياتك ويتمنوا موتك. قال الزبيدي: (ومن المجاز: الولد ثمرة القلب. في الحديث: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم». قيل للولد: ثمرة؛ لأن الثمرة ما ينتجه الشجر، والولد ينتجه الأب).
ومما يقرب منه أن البنت يقال لها: (تُفاحة القلب). وقد دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه تفاحة القلب. قال: انبذها عنك؛ فإنهن يلدْنَ الأعداء ويقربن البعداء ويورثن الضغائن. قال: لا تقل هذا يا عمرو، فوالله ما مرّض المرضى ولا ندب الموتى ولا أعان على الأحزان إلا هُنَّ، وإنك لواجد خالا قد نفعه بنو أخته. فقال عمرو: ما أراك يا أمير المؤمنين إلا وقد حببتهن إليّ بعد بغضي لهن).
ثمّ مضيتُ مع الكتابِ أُنساً به، حتّى إذا بلغتُ عند كلامه عن مَثَل النّاس «عطايا الله»، استوقفني سطرٌ خفيضُ الصوت، لكنّه عميقُ الأثر؛ إذ حَرصَ المؤلّفُ على أن يُقيّد ما سمعه شِفاهاً من جدّه — رحمه الله وغفر له، وقد توفّي مؤخّراً — فكتب:
«وسألتُ جدّي: هل هذا القول يخصّ الإبل دون غيرها؟ فقال: نعم، قولهم عطايا الله تختصّ بالإبل؛ لأنّ فيها زود عن باقي المواشي في الحجم وفي القيمة».
توفّي الجدُّ — رحمه الله — وبقيت كلمتُه حيّةً في هذا السطر. وفي صنيعِ المؤلّفِ هذا ضربٌ لطيفٌ من «البِرِّ الخفيّ» بجدّه، أنْ جعلَ له في مطاوي كتابه موضعاً يُذكر فيه فيُدعى له؛ وهو مسلكٌ غيرُ بدعٍ في بابه، بل عِرقٌ ضاربٌ في أخلاقِ المصنّفين الأوّلين، إذ دأبَ العلماءُ على استنباطِ المسالك اللطيفة لإدراج أسماء آبائهم وأجدادهم في بطون الكتب، استمطاراً لِشآبيب الرّحمة عليهم من ألسنة المطالعين.
غايةُ الكرامةِ لزومُ الاستقامة
«وإنّما غايةُ الكرامةِ لزومُ الاستقامة؛ فلم يُكرِم اللهُ عبداً بمثلِ أن يُعينَه على ما يحبُّه ويرضاه، ويزيدَه ممّا يقرّبُه إليه ويرفعُ به درجتَه».
«مجموع الفتاوى» (ج 11، ص 298، وانظر ج 10، ص 29)
تفضّل عليّ الأخُ الحبيبُ والكريم الأستاذ المثنّى بن عبد العزيز الجرباء بنسخةٍ من كتابه البديع «تفاريق العصا: مختارات في معاني كلمات الناس وأمثالهم من القديم والحديث»؛ فإذا أنا أمامَ كتابٍ يَتفرّسُ في وجوه الكلمات التي يتداولها الناسُ في مجالسهم وأسواقهم، ثمّ يأخذ بيدِ الكلمةِ الدارجة أو المَثَل السائر، ليدلّك على شجرةِ نَسَبه الأولى في ديوان العرب.
أخذتُ أقلّبُ أوراقَه، حتّى استوقفتني في (ص 112) منه صفحةٌ دافئة، رأيتُ أن أنقلها هنا بتمامها وحروفها:
ثمرة القلب
كل ما يحبه الإنسان فهو ثمرة قلبه على طريق الاستعارة، ويقال للولد ثمرة القلب. وفي الخبر: «ثمرة القلب: الولد»، ولما غضب معاوية على ابنه يزيد فهجره، قال له الأحنف: يا أمير المؤمنين أولادنا ثمرة قلوبنا وعماد ظهورنا ونحن لهم سماء ظليلة وأرض ذليلة؛ إن غضبوا فأرضهم، وإن سألوا فأعطهم، ولا تكن عليهم قفلا، فيملوا حياتك ويتمنوا موتك. قال الزبيدي: (ومن المجاز: الولد ثمرة القلب. في الحديث: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم». قيل للولد: ثمرة؛ لأن الثمرة ما ينتجه الشجر، والولد ينتجه الأب).
ومما يقرب منه أن البنت يقال لها: (تُفاحة القلب). وقد دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه تفاحة القلب. قال: انبذها عنك؛ فإنهن يلدْنَ الأعداء ويقربن البعداء ويورثن الضغائن. قال: لا تقل هذا يا عمرو، فوالله ما مرّض المرضى ولا ندب الموتى ولا أعان على الأحزان إلا هُنَّ، وإنك لواجد خالا قد نفعه بنو أخته. فقال عمرو: ما أراك يا أمير المؤمنين إلا وقد حببتهن إليّ بعد بغضي لهن).
ثمّ مضيتُ مع الكتابِ أُنساً به، حتّى إذا بلغتُ عند كلامه عن مَثَل النّاس «عطايا الله»، استوقفني سطرٌ خفيضُ الصوت، لكنّه عميقُ الأثر؛ إذ حَرصَ المؤلّفُ على أن يُقيّد ما سمعه شِفاهاً من جدّه — رحمه الله وغفر له، وقد توفّي مؤخّراً — فكتب:
«وسألتُ جدّي: هل هذا القول يخصّ الإبل دون غيرها؟ فقال: نعم، قولهم عطايا الله تختصّ بالإبل؛ لأنّ فيها زود عن باقي المواشي في الحجم وفي القيمة».
توفّي الجدُّ — رحمه الله — وبقيت كلمتُه حيّةً في هذا السطر. وفي صنيعِ المؤلّفِ هذا ضربٌ لطيفٌ من «البِرِّ الخفيّ» بجدّه، أنْ جعلَ له في مطاوي كتابه موضعاً يُذكر فيه فيُدعى له؛ وهو مسلكٌ غيرُ بدعٍ في بابه، بل عِرقٌ ضاربٌ في أخلاقِ المصنّفين الأوّلين، إذ دأبَ العلماءُ على استنباطِ المسالك اللطيفة لإدراج أسماء آبائهم وأجدادهم في بطون الكتب، استمطاراً لِشآبيب الرّحمة عليهم من ألسنة المطالعين.
فذاكَ الإمامُ البخاريُّ رحمه الله، ماتَ والدُه «إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفيّ» ومحمّدٌ صبيٌّ صغيرٌ لم يتهيّأ له أن يسمعَ من أبيه حديثاً واحداً مباشرةً.. فلمّا صنّف البخاريُّ كتابه «التاريخ الكبير»، لم تطاوعه نفسُه أن يَخلوَ ديوانُ الرّواة من اسم أبيه؛ فذهبَ يتتبّعُ أصحابَ والده القدامى عسى أن يظفرَ عندهم ولو بخبرٍ يتيمٍ عن أبيه، حتّى حدّثه يحيى بن جعفر البيكنديّ عن أبيه إسماعيل قال: «رأيتُ حمّادَ بن زيد، وجاءه ابنُ المبارك بمكّة، فصافَحه بكلتا يديه»!
ولم يكتفِ البخاريُّ بأن أفرَدَ لأبيه ترجمةً في «التاريخ الكبير» بهذا الخبر، بل عمدَ إلى «صحيحه» — أصحِّ كتابٍ بعد كتاب الله — فجعلَ لمسألةِ أبيه هذه موضعاً في (باب المصافحة من كتاب الاستئذان)؛ ليظلَّ لوالده موطئُ قَدَمٍ ونصيبٌ من الترحّم والأجر كلّما قُرئ «الصحيح» إلى قيام السّاعة!
ومثلُه التاجُ السُّبكيّ في «طبقات الشافعية الكبرى»، إذ كانَ يستطردُ في المباحث الدّقيقة ليُثبتَ محاوراتِه مع أبيه «تقيّ الدّين السُّبكيّ»، ومن ألطفِ ما سطّره قولُه: «سألتُ الشّيخَ الإمامَ الوالدَ رحمه الله: لِمَ يقولُ المصلّي في الاعتدال: (كلُّنا لكَ عَبْدٌ) ولا يقول: (عبيدٌ)، مع عَوْدِ الضّميرِ في (كلّنا) على جَمْع؟ فقال: لأنّهُ قُصِدَ أن يكونَ الخلقُ أجمعونَ بمنزلةِ عبدٍ واحدٍ، وقلبٍ واحد!».
وهكذا صَنعَ أصحابُ المعاجم والطّبقات والفهارس — كالسّمعانيّ في «الأنساب» وهو يلهجُ بذكر جدّه أبي المظفّر، والمقّري في «نفح الطيب» وهو يفخرُ بمشايخ جدّه ويُثبت تراجمهم تبرّكاً ووفاءً، والمرتضى الزَّبيديّ في «تاج العروس»، وشيخِنا العبوديّ رحمه الله في «الأمثال العامية في نجد» —؛ تراهم يَلوُون عِنانَ الكلامِ عند شرحِ كلمةٍ أو مَثَلٍ أو اسمِ بلدة، ليمرّوا بذكرِ أبٍ أو جدٍّ، وقد باحَ بلسانِ حالهم جميعاً العلاّمةُ عبد القادر الفاسيّ في «فلك القاموس» حين قال إنّما يُثبتُ العالمُ ذلك «رجاءَ دعوةٍ صالحةٍ ممّن وقفَ على هذه الفوائد»، ثمّ أنشد:
فلولا رجائي فيهِ دعوةَ صالحٍ
لَما سطَّرَتْ عينايَ في مثلهِ حَرفا!
فرحمَ اللهُ الجدَّ رحمةً واسعة، وباركَ في الحفيدِ الكَريم، وجعلَ ما قيّدهُ في «تفاريق العصا» ذُخراً لهما لا ينقطع.
للوزير الفقيه الكاتب أبي العباس أحمد بن رشيق الأندلسي «ت بعد 440» — وهو غيرُ ابنِ رشيق القيرواني صاحب «العمدة» — ترجمةٌ حافلة في «معجم الأدباء» لياقوت الحموي، نقلها عن تلميذه الحافظ أبي عبد الله الحُميدي صاحب «جذوة المقتبس».
وكان أبو العباس ابن رشيق هذا قد بلغ من رئاسة الدنيا أبلغَ منزلة؛ فقدّمه الأمير الموفّق مجاهد العامري على كلّ من في دولته وولّاه جزيرة «ميورقة»، وهو الذي آوى أبا محمد ابن حزم لمّا ضاقت به البلاد، وبحضرته جرت المناظرةُ المشهورة بين ابن حزم وأبي الوليد الباجي.. وكان مع رئاسته وسياسته يشتغل بالفقه والحديث ويجمع العلماء، وله كتابٌ على تراجم «صحيح البخاري» ومعاني ما أشكل منه، لا أعلم أنه وصلنا.
والمقصودُ أن الحُميدي ذكر من هيبة ابن رشيق المفرطة وحِلمه ما لم يرَه في غيره من أهل الرئاسة على قدرته، ثم أورد عنه خبراً لطيفاً قال فيه:
وقد رأيتُه غيرَ مرّةٍ إذا غضب في المجلس؛ أطرقَ ثم قام ولم يتكلّم بين اثنين، فظننتُه كان يذهب إلى حديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ: (لا يحكم حاكمٌ بين اثنين وهو غضبان)، وظننتُ أن قيامه عند الغضب شيءٌ ما سُبق إليه؛ حتى رأيتُ بعض المصنّفين القدماء قد حكى عن يزيد بن أبي حبيب أنه قال: **إنما غضبي في نَعْلَيّ، إذا سمعتُ ما أكره أخذتُهما ومضيتُ!**».
قال عبد الله عفا الله عنه: قولُ التابعي الجليل يزيد بن أبي حبيب «ت 128» — وهو مفتي الديار المصرية وعالمها — رأيتُه في كتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي في باب «صفة الحِلم»، ولعلّه المصنِّفُ الذي عناه الحُميدي.. ومن طريف الاتفاق أن هذه الفقرة في آخر ترجمة ابن رشيق حفظها لنا ياقوت في «معجمه» عن الحُميدي، وسقطت من النسخة المطبوعة من كتاب الحُميدي نفسه «جذوة المقتبس»!
وما أجملَ هذا الأدبَ الرفيع؛ حين يأخذ المرءُ بالذروة القصوى من الحِلم، ويصون لسانَه وعِرضَه عن مماراة الجاهلين.. والمعذرة على الإطالة.
نُتَف وفوائد retweeted
مقدمة بارعة من المؤرخ بيتر فرانكوبان
"كان لديّ –وأنا آنذاك طفلٌ– خريطة كبيرة للعالم، وكانت أثمن مقتنياتي. وكانت تلك الخريطة معلقة على الجدار بجوار سريري، وكنت أحدق فيها كل ليلة قبل أن أخلد إلى النوم. ومن ثم حفظت أسماء جميع البلدان ومواقعها –قبل مدة طويلة– بما في ذلك أسماء عواصمها، إضافةً إلى أسماء المحيطات، والبحار، والأنهار التي تدفقت عبرها؛ وكذلك أسماء سلاسل الجبال والصحاري الرئيسة، المفعمة بروح المغامرة والخطر، والتي كُتِبت بخط مائل عجول.
ولما أصبحت صبيًّا، كنت أشعر بالتشوش حيال التركيز الجغرافي الضيق المُلح لدروسي التي تلقيتها في المدرسة؛ حيث ركّزت على غربي أوروبا والولايات المتحدة فحسب، ونبذت معظم أرجاء العالم ظهريًّا. لقد درسنا تاريخ الرومان في بريطانيا، والغزو النورماندي عام ١٠٦٦م، وهنري الثامن (Henry VIII) وآل تيودور (Tudors)، وحرب الاستقلال الأمريكية، والثورة الصناعية الفيكتورية، ومعركة السوم (battle of the Somme)، وقيام ألمانيا النازية وسقوطها. فلما كنت أنظر إلى خريطتي كنت أرى مناطق شاسعة من العالم جرى تجاوزها في صمت.
ثم اتفق أن أهداني أبواي –في ذكرى مولدي الرابعة عشرة– كتابًا للأنثروبولوجي إريك وولف (Eric Wolf)، وهو الكتاب الذي أشعل جذوة الحماسة في نفسي حقًّا. كتب وولف قائلًا: إن تاريخ الحضارة المقبول والخمول هو التاريخ الذي يقضي بأن روما انبثقت عن اليونان القديمة، وأن أوروبا النصرانية انبثقت عن روما، وأن عصر النهضة انبثق عن أوروبا النصرانية، وأن عصر التنوير انبثق عن عصر النهضة، فأثمر ديمقراطية التنوير السياسية، التي أثمرت بدورها الثورة الصناعية. ولما تقاطعت الصناعة مع الديمقراطية وُلِدت الولايات المتحدة، وعلى هذا النحو تجسد الحق في الحياة، والحرية، والسعي خلف السعادة. ثم ما لبثتُ أن أدركت أن شعار الانتصار السياسي والثقافي والأخلاقي للغرب هو المغزى من هذه الرواية التي أُخبِرتُها، على وجه الدقة. بيد أن هذه الرواية مَعيبةٌ ابتداءً؛ إذ إن هناك طرق بديلة للنظر إلى التاريخ، تخلو من النظر إلى الماضي بأعيُن الظافرين في التاريخ الحديث.
كنت مشغوفًا لم أزل، وقد تبين لي فجأة أن المناطق التي لا نعلم عنها شيئًا قد سقطت مختنقة تحت وطأة الإصرار على رواية ظهور أوروبا. وهكذا توسّلت إلى أبواي ليأخذاني لرؤية خريطة «هيرفورد موندي» (Hereford Mappa Mundi)، التي جعلت من القدس مركزًا وبؤرة لها، ونحَّت إنجلترا إضافةً إلى دول غربية أخرى جانبًا، كسَقَطِ المتاع. ثم ما لبثت أن قرأت عن الجغرافيين العرب الذين ألحقوا مخططات بمصنفاتهم، بدت لي مقلوبة؛ حيث وُضِع بحر قزوين في مركزها. كما أصابتني الدهشة أيضًا عندما اكتشفت خريطةً تركية مهمة من القرون الوسطى في إستانبول، وكان في القلب منها مدينة تُدعى «بلاساغون»! لم أكن قد سمعت قط باسم هذه المدينة من قبل، فضلًا عن أنها لم تظهر على أية خريطة أخرى قط، بل إن موقعها ذاته لم يكن مؤكدًا حتى وقت قريب، ومع ذلك فقد كانت تُعد –يومًا ما– مركزًا للعالم!
كنت أود لو اطلعت على المزيد من أحوال روسيا، وآسيا الوسطى، وبلاد فارس، وبلاد الرافدين. كما أردت أن أقف على أصول الديانة النصرانية عند النظر إليها من آسيا. وأردت أيضًا الوقوف على الكيفية التي نظر بها الصليبيون لأولئك الذين عاشوا في المدن الكبرى، مثل: القسطنطينية، والقدس، وبغداد، والقاهرة في القرون الوسطى. وأردت كذلك التعرف على الإمبراطوريات الكبرى في الشرق، مثل المغول وفتوحاتهم على سبيل المثال. فضلًا عن ذلك أردت أن أفهم كيف بدت الحربان العالميتان عند النظر إليهما من أفغانستان والهند، لا من فلاندرز (Flanders) أو من الجبهة الشرقية.
...........
وكان من حسن حظي أن درست اللغة الروسية في المدرسة؛ حيث درَّسنيها ديك هادون (Dick Haddon)، وهو رجل مرموق، كان قد خدم في الاستخبارات البحرية. وكان هادون يؤمن أن طريقة فهم اللغة الروسية والدوشا (dusha)، أو الروح (Soul)، لا يتأتّى إلا من خلال استيعاب أدبها الرائع، وموسيقاها الريفية. وكنت أسعد حظًّا لمّا عرض علينا أن يدرّسنا اللغة العربية، وهكذا جعل الرجلُ ستةً منا يُلمُّون بالثقافة والتاريخ الإسلاميين، كما غمَرنا في لُجَّة جمال العربية الفُصحى. وهكذا فتحت هذه اللغات أمامنا عالمًا بِكرًا كان ينتظر من يستكشفه، أو بالأحرى أن يعيد بنو جلدتنا في الغرب اكتشافه، كما ما لبثت أن أدركت ذلك".
في الصور:
خريطة «هيرفورد موندي» المحفوظة في كاتدرائية هيرفورد بإنجلترا، وتعود إلى نحو سنة ١٣٠٠م، وهي أكبر خريطة للعالم بقيت من العصور الوسطى، تقع القدس في قلبها.
......
وصورة كتاب الأنثروبولوجي إريك وولف (Eric Wolf)، المذكور في النص وهو مترجم للعربية بعنوان "أوروبا ومن لا تاريخ لهم".
.....
من أعجب ما يُروى في محبة الزرع والنخل أن هذه المحبة تلحق أهلها إلى الجنة. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يومًا يحدِّث، وعنده رجل من أهل البادية: «أن رجلًا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع. قال: فبذر، فبادر الطرفَ نباتُه واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء». فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشيًا أو أنصاريًا، فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع. فضحك النبي ﷺ.
ولأهل العلم في هذا الحديث لطائف؛ قال ابن بطال: فيه وصف الناس بغالب عاداتهم، وهذا شأن الأعرابي حين جعل الزرع لقريش والأنصار دون أهل الوبر. وقال المهلب: فيه أن كل ما اشتُهي في الجنة من أمور الدنيا ممكن فيها، فلا يُحرم صاحب النخل نخله هناك.
نُتَف وفوائد retweeted
للعلامة عبد الرحمن المعلمي العُتمي (ت 1386هـ) قصةٌ مع الوظائف تستحق التقييد. عاد من حيدرآباد الدكن وقد صُحّحت على عينيه «السنن الكبرى» وأمهاتُ الدواوين، وصنّف «التنكيل» الذي ما قامت لخصمه بعده قائمة — ثم لما جاءه التعيين بمكة سنة 1372هـ كان: أمينَ مكتبة الحرم. قال من ترجم له إنه ارتضاها «من أجل المكث بين الكتب والمخطوطات، ينهل منها إلى آخر نفَس». وكان يقيم فيها حقيقةً لا مجازاً؛ سريرُه بين الرفوف، وتوقيعه في ذيل تعليقاته: «المعلمي، مكتبة الحرم المكي، 15 شوال سنة 1374». وقد تمنّى بورخيس أن تكون الجنةُ مكتبةً؛ وهذا شيخ يمانيّ زاهد لم يتمنَّ: نام في المكتبة حتى جاءه الموعود.
حدّث فؤاد السيد — أمينُ المخطوطات بدار الكتب المصرية — قال: كنتُ في أثناء الحج أتردد على مكتبة الحرم لرؤية المخطوطات وزيارة مديرها الشيخ الصنيع، وكان بين الحين والآخر «يأتي إلينا رجلٌ رقيقُ الحال يسقينا ماءَ زمزم». وبعد يومين طلبتُ من الصنيع رؤيةَ الشيخ المعلمي، فقال: «ألم تره بعدُ؟ أليس يسقيك كلَّ يومٍ من ماء زمزم؟». والرجلُ الرقيق الحال هذا هو الذي كتب فيه بكرُ أبو زيد: «تحقيقات هذا الحَبر نقشٌ في حَجَر، ينافس الكبارَ كالحافظ ابن حجر». فمن شاء فليوفِّق بين الخبرين؛ أما هو فما رأى بينهما شيئاً يحتاج إلى توفيق.
ومرّ بي في ترجمته أن طالباً جاءه ليلةَ وفاته بعد العشاء ومعه كتاب، فكأنّ الكتب جاءت تودّعه. ثم صلى الفجر في الحرم صبيحةَ خميسٍ من صفر سنة 1386، وعاد إلى سريره، فمضى. قال الزركلي: «شوهد فيها منكبّاً على بعض الكتب وقد فارق الحياة»، وقال من حضر: بل على سريره «والكتابُ على صدره». اختلفوا في هيئته واتفقوا على الكتاب! ولم تسمِّ الرواياتُ الكتابَ الذي على صدره — فيا ليت شعري أيُّ كتابٍ كان.



































