أمين اليافعي (@elyafaee) header
أمين اليافعي (@elyafaee) profile picture

"غيبُ هذا الحديث ِ خافٍ والرّمزُ فيه مُتجافٍ وإنما نُدندِن حول هذه المعاني" التوحيدي

Berlin
Joined June 2021
Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)Photo by أمين اليافعي (@elyafaee)
الكتاب متاح للتحميل على موقع المركز تقديم تتناول هذه الدراسة ظاهرة الحركة الحوثية من منظور تاريخي-أنثروبولوجي، وتنطلق من نقد القصور المنهجي في الأدبيات السائدة التي تختزل الحركة في نموذج الوكيل الإيراني أو الميليشيا المسلحة، مُسقِطةً مفاهيم العلاقات الدولية على بيئة تحكمها شروط بنيوية موروثة من ألف عام من الإمامة الزيدية والتنظيم القبلي الانقسامي. تسعى الدراسة إلى الإجابة عن السؤال الآتي: إلى أي حدٍّ يمكن تفسير نشأة الحركة الحوثية واستمرارها وفهم تحولاتها بالاستناد إلى الإرث التاريخي للإمامة الزيدية والبنية القبلية، بدلاً من اختزالها في نموذج الوكيل الإيراني؟ وتحاجج الدراسة بأن الحوثيين فاعل تكيّفي تاريخي التشكّل، نشأ في تقاطع الإرث الإمامي والبنية القبلية وفشل الدولة الجمهورية، ويُعيد تعريف علاقته بالرعاة الخارجيين وفق أجندته المحلية أولاً. وتعتمد الدراسة مقاربةً وصفيةً تحليليةً تركيبيةً تستند إلى أدوات علم الاجتماع التاريخي والأنثروبولوجيا السياسية، وتُعالج ستة محاور بنيوية تاريخية في جذور الحركة قبل الانتقال إلى تحليل بنية العلاقة الإيرانية-الحوثية وإشكالية نموذج الوكيل. وتخلص الدراسة إلى أن الحركة الحوثية ليست قابلة للاختزال في مقولة واحدة؛ فهي في آنٍ واحد: امتداد وظيفي لإرث الإمامة الهاشمية، وتمرد نموذجي يتكرر عبر تاريخ اليمن، وأيديولوجيا هجينة تجمع الزيدية بخطاب الثورة والمقاومة، وفاعل تكيّفي يُوظّف الدعم الإيراني دون أن يذوب فيه. ومن ثَمَّ فإن أي تسوية سياسية مستدامة في اليمن تستلزم معالجة هذه البنى الداخلية لا الاكتفاء باستهداف الدعم الخارجي. democraticac.de/?p=110502
4
2
1
34
7,879
وربما من المقيد أن نُنهي هذا المقال بنقاشٍ سريعٍ لتلك التصورات التي راجت في السنوات الأخيرة، وتأتي على هيئة تساؤلات استفهامية أو استنكارية عن كيف قبول القبائل لمبدأ التمييز بين الأسر الهاشمية والآخرين الذي تحاول الحركة الحوثية إعادة إحيائه، وهذه القبائل معروفة بإعطائها أهمية كبيرة لمسألة المساواة والتكافؤ في المكانة والشرف، ولا تقبل الخضوع والانقياد والتصنيف من خارجها، حتى تلك الدعوى التي تُبشِّر بها الدولة تحت يافطة "المواطنة" تكون موضع معارضة. والحقيقة إنه ينبغي، في هذا السياق، تمييز المساواة القبلية الصارمة بين النظراء عن حالة الإنكار العام لكل تمايز ديني أو أثني. فالتقابل بين لغة الأنداد والحماية وادعاءات الاصطفاء لا يُفيد، بالضرورة، نفياً شاملاً لفضل العلم أو شَرَف النَسَب، بل يُفيد أن هذا الفضل، إذا سُلِّم به، لا يستلزم شعور القبلي بالدونية ولا تفويضاً مُطلقاً بالحكم. ويقوم فضاء الاستقلال والردع والتحكيم على أهلية متبادلة قد تتعايش مع وجود مقامات دينية، بشرط ألا تتحول إلى احتكار سياسي يخرق العلاقة التبادلية. ولهذا لا ينبغي فهم المساواة في الفضاء القبلي اليمني باعتبارها نفياً لكل تمايز في النسب أو العلم أو الثروة، وإنما بوصفها، في أحد أبعادها الأساسية، اعترافاً متبادلاً بالأهلية الأخلاقية والاستقلال بين الأنداد. فالقبلي يتمسك بحقه في الحماية والتفاوض والاعتراض، كما تؤكد القبيلة حرمة مجالها وحقها في ألا تتحول قوة جارتها إلى سيادة مشروعة عليها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بـ"الأسر الهاشمية" المقيمة بين القبائل أو المشمولة بعقود الهِجرة؛ فقد يُعترف لـ"الهاشمي" بفضل النسب أو العلم، دون أن يستتبع ذلك شعور القبلي بأنه أدنى منه، أو تسليمه بحق "الهاشمي" في إخضاعه. فالمكانة الدينية لا تستغرق جميع مصادر الاعتبار الاجتماعي؛ ويظل القبيلي، في منطق الحماية، صاحب التزام وقدرة على الدفاع والضمان.
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثالث/الأخير) أمين اليافعي ٥ نوفمبر ٢٠٢٦ خلال حروب صعدة، حدثت أخطاء فادحة وجسيمة في تعامل الحكومة مع "الحركة المتمردة"، فلم يتم التمييز بين أعضاء الحركة المتمردة وقبائلهم. ومع إن النخبة الحاكمة في صنعاء على معرفةٍ وعلاقةٍ وثيقةٍ بالسياق القبلي، إلا أن تعاملها بدا وكأنه يفتقر إلى أبسط حدود المعرفة. ولا شك أن تصفية الحسابات السياسية بين أقطاب النظام واعتبار هذه الأحداث فرصة ثمينة لذلك، ودون تقدير العواقب، فضلاً عن الأبعاد الإيديولوجية واستخدام بعض النافذين سلطة الدولة لتصفية حساباتهم المزمنة والمُعقدة مع قبائل مناوئة دوراً حاسماً في التحولات. فعندما لجأ بعض أعضاء الحركة، وبعد مقتل حسين الحوثي، إلى قبائلهم، طلباً للحماية، تم مهاجمة القبائل بضراوة. ومن وجهة نظر القبيلة، فقد تم ضرب أهم مرتكزين يقوم عليهما التضامن القبلي، وهما بالمناسبة أهم من النسب، فقد يتم التخلي عن فرد أو بيت من بيوت القبيلة بسبب عدم التزامه بهما؛ وهما مبدأ «التبادل الأخلاقي المتكافئ» والمتمثّل في توفير الحماية كرد منطقي على ضعف حصانة الأفراد، ومفهوم الشرف حيث يُعَدُ مهاجمة أراضي القبيلة محاولة لكسر شرفها، خصوصاً عندما يكون هناك أفراد من قبائل منافسة/مناوئة جزءاً من الحملة (القاعدة أو القانون الذي يحكم علاقة القبائل ببعضها «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» والذي أوردناه في الجزء الأول من المقال). تفترض القبيلة بأنه في حالة لجأ إليها أفرادها، فعليها واجب توفير الحماية لهم مهما كانت دوافعهم، ولا يعني ذلك السكوت أو الدفاع عن أخطائهم، بل ما تنتظره هو أن تدخل الأطراف الأخرى في تفاوض معها بالطرق المتعارف عليها في الأعراف القبلية لإيجاد حل يُرضي جميع الأطراف. وربما أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إنه عندما عاد الشيخ مقبل الوادعي إلى صعدة، وبدأ دعوته السلفية، واجهة مضايقات كثيرة، فقامت قبيلته (وادعة) بتوفير الحماية له، ويُروى أن أفراد القبيلة ممن كانوا يرابطون في مسجده لتوفير الحماية، كانوا يرفضون الصلاة بعده بكونهم زيود. ربما شعرت الدولة في تلك الفترة بأنها تمتلك من القوة بما يكفي لإخضاع القبائل، لكن عمليات الاجتياح لأراضي القبائل، والقصف الذي تعرضت له مساكنهم، وتدمير مزارعهم، وحالات النهب والسلب التي رافقت الاجتياح، وبمشاركة مجموعات قبلية منافسة... كل ذلك وَلَدَ شعوراً قوياً لدى القبائل بأن هذه العمليات هدفها إذلالهم، وكسر شرفهم، وضمن تصفية الحسابات المحلية التي تعود بعضها إلى العام ١٩٦٢، وربما إلى ما قبل ذلك التاريخ، وليس مجرد التعامل مع بعض أبناء قبائلهم ممن ينتمون إلى الحركة الحوثية. وكثير من القبائل كان لهم موقفاً معارضاً لدعوة حسين الحوثي، لدرجة أن بعضهم كان قد منع الحديث أو الخطبة على الطريقة الحوثية، وترديد الصرخة في مساجد مناطقهم، كما خشي بعضٌ من مشائخ القبائل من تمدد نفوذ الحوثي وسحب البساط عنهم (من الجديد ذكره أن محافظة صعدة شَهِدت أعنف المواجهات بين الجمهوريين والملكيين خلال حروب السبع سنوات ١٩٦٣ – ١٩٧٠). وبداية من الحرب الثانية سيطرت أسباب الثأر على البُعد الإيديولوجي في حروب صعدة لدرجة أن الحركة في بداية الأمر خشيت أن يتحول الصراع إلى نزاعات قبلية بحتة يُصبِح من الصعب توجيها والسيطرة عليها، لكنها بلا شك استفادت كثيراً من تدفق آلاف المقاتلين من القبائل تباعاً، ودون الحاجة إلى عناء كبير في التربية الإيديولوجية وكما فعلوا مع طلائع المقاتلين الأصليين في الحركة، فحاولوا استثمار زخم التمرد سواء للقتال من أجل القبائل، أو ضد خصومهم، أو الحكومة، أو شيخ مكروه، ومراكمته ضمن مكاسب الحركة المُتعاظمة مع كل حرب. وبالتأكيد لم يكن بمقدر الحركة أن تتوسع بهذا الشكل لولا الصراع الضاري داخل النظام الحاكم الذي بلغت ذروته في العام ٢٠١١. ومع سيطرة الحركة الحوثية على صعدة العام ٢٠١١، ثم صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤، توسّعت إعادة هندسة علاقات القوة أو السلطة داخل القبائل سواء عن طريق استبدال وجاهات موالية أو انتداب مشروفين يكونون بمثابة القنوات لحشد المقاتلين بطريقة تتجاوز الوسيط التقليدي. ومعرفة الحوثيين أو الأسر الهاشمية الحاكمة أو الطامحة للحكم بمجتمعات القبائل تنبع من ثلاثة مصادر متداخلة: المعرفة النظرية عن طريق الأدبيات التقليدية التي تراكمت على مدى عقود. الهِجَر الموجودة في أوساط القبائل وهي بمثابة مراكز رصد وإحصاء واستشراف (مبكرة) لو استعرنا مصطلحات اليوم تُتابع أدق التفاصيل والتطورات داخل القبائل، وتقيّم حالة التنافس بين الافخاذ والبيوت حول المشيخة، ولَعَب أدوار الموجّه والمُرشد والمُحشِّد أثناء فترات الصعود. ويتمثل العامل الثالث في التعامل والاحتكاك الدائمين مع المجتمع القبلي، ونقل وتطبيق هذه المعارف والخبرات مباشرة على المجتمعات المعنية. (هذه المعرفة تتموضع في مرحلة متقدمة جداً مقارنة مع المختصين المحليين، ممن يذهبون إلى دول أخرى لدراسة نظريات حول المجتمعات القبلية، جزء كبير منها لم يتم إنتاجه حول البنية القبلية في اليمن، ثم يعودون بمجموعة من الأفكار النظرية التي تتداخل مع عوامل ثقافية وأحكام قبِليّة ليجلسوا في مكاتب مراكزهم البحثية الأنيقة في العاصمة أو مدنٍ أخرى، ثم يُشاركون تصوراتهم النمطية، ودون محاولة بذل جهود للاقتراب من هذه المجتمعات، وفهمها من الداخل، في سبيل تطوير معرفة قد تُساعد صانع القرار على إيجاد حلولٍ تَصَبُ في مسار بناء الدولة على المدى الطويل، وتجنب مخاطر الارتجاجات المفاجئة). وبعد سيطرة الحركة الحوثية على المرتفعات الشمالية، لم تسع إلى إلغاء الأعراف القبلية أو منصب الشيخ، بل تم الاستبقاء والاستحداث بما يخدم متطلبات التعبئة المستمرة، وتقويض الاستقلالية التي تسمح بالاعتراض، ودون أن يؤدي في الوقت نفسه إلى مواجهة شاملة مع القبائل. وهذا لا يعني بالضرورة أن استبدال شيخٍ بآخر - مستفيدةً من معرفتها الدقيقة والمواكبة بطبيعة التنافسات داخل كل قبيلة - لا يُهدد مصادر شرعية سلطة الشيخ المتأتية في الغالب من الاعتراف الداخلي/المحلي والالتزامات المتبادلة إلى تفويض تنظيمي مسنود بقوة خارجية. وفي سبيل ذلك تستخدم كل الوسائل التقليدية من تفاوض وإغراءات وخطاب يستهدف ممكنات أو رهانات التلقي داخل هذا الفضاء، ولا يُقْدِم على خطوة الاستبدال إلا بعدما يتم ضمان عدم تحوّل هذه الخطوة إلى سببٍ لاحتشاد معارض يجمع كل أو معظم أفراد القبيلة. وتستثمر التعبئة الحوثية خطاب نصرة المظلوم والوفاء للدم والدفاع عن الأرض، فتترجم الانضمام إلى الحرب باعتباره أداءً لواجبٍ أخلاقيٍّ. لكن هذه التعبئة لا تتم عن طريق الخطاب وحده، بل طوّرت الحركة الحوثية مصفوفة من آليات التحشيد المتناسقة والمتكاملة تتناسب مع الشروط المحلية المثالية. فالتركيز مثلاً على فئة الشباب ممن يطمحون إلى القيام بأدوارٍ بطولية، وفي ظل واقعٍ مُعطلةٌ فيه كل وسائل وفُرص تمكين الشباب وتأهليهم من جهةٍ؛ ومن جهةٍ أخرى الاستفادة من هامش الاستقلالية الكبير الذي يحظى به أفراد القبائل، فالقبيلة لا تمارس الديكتاتورية أو التسلّط، والسلطة قائمة على أساس التراضٍ، وطالما الأفراد لا يُسببون تبعات سلبية أو اضراراً مباشرة لعموم القبيلة، فهم مسئولون عن تبعات قراراتهم الشخصية في نهاية المطاف. وتضيء شهادة العميد محمد الكميم في «بودكاست يمان» هذه الآليات بوضوحٍ شديد. ففي روايته لمحاولة تجنيد أحد أبنائه، تظهر شبكة الأصدقاء والمجالس والمحاضرات، ثم السلاح والطقم والدور الأمني في الحي، والإغراء بمظاهر البطولة العسكرية، ووعود المجد والجاه، والسرديات الرومانسية للاستشهاد، وصولاً إلى طلب التعزيز للجبهة. وحين يضيق أفق الدراسة والعمل أمام فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، قد يصبح هذا الاعتراف المعروض طريقاً مختصراً للشعور بالأهمية. ولا يعني ذلك أن المستهدفين جميعاً خارج التعليم؛ فالمدرسة نفسها والمراكز الموازية – المراكز الصيفية - أصبحت من قناة استقطاب. وبههذه الطريقة، تُعاد صناعة المكانة خارج الأسرة والمشيخة، ويُربط الصعود الفردي بالولاء والقتال. وربما من المقيد أن نُنهي هذا المقال بنقاشٍ سريعٍ لتلك التصورات التي راجت في السنوات الأخيرة، وتأتي على هيئة تساؤلات استفهامية أو استنكارية عن كيف قبول القبائل لمبدأ التمييز بين الأسر الهاشمية والآخرين الذي تحاول الحركة الحوثية إعادة إحيائه، وهذه القبائل معروفة بإعطائها أهمية كبيرة لمسألة المساواة والتكافؤ في المكانة والشرف، ولا تقبل الخضوع والانقياد والتصنيف من خارجها، حتى تلك الدعوى التي تُبشِّر بها الدولة تحت يافطة "المواطنة" تكون موضع معارضة. والحقيقة إنه ينبغي، في هذا السياق، تمييز المساواة القبلية الصارمة بين النظراء عن حالة الإنكار العام لكل تمايز ديني أو أثني. فالتقابل بين لغة الأنداد والحماية وادعاءات الاصطفاء لا يُفيد، بالضرورة، نفياً شاملاً لفضل العلم أو شَرَف النَسَب، بل يُفيد أن هذا الفضل، إذا سُلِّم به، لا يستلزم شعور القبلي بالدونية ولا تفويضاً مُطلقاً بالحكم. ويقوم فضاء الاستقلال والردع والتحكيم على أهلية متبادلة قد تتعايش مع وجود مقامات دينية، بشرط ألا تتحول إلى احتكار سياسي يخرق العلاقة التبادلية. ولهذا لا ينبغي فهم المساواة في الفضاء القبلي اليمني باعتبارها نفياً لكل تمايز في النسب أو العلم أو الثروة، وإنما بوصفها، في أحد أبعادها الأساسية، اعترافاً متبادلاً بالأهلية الأخلاقية والاستقلال بين الأنداد. فالقبلي يتمسك بحقه في الحماية والتفاوض والاعتراض، كما تؤكد القبيلة حرمة مجالها وحقها في ألا تتحول قوة جارتها إلى سيادة مشروعة عليها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بـ"الأسر الهاشمية" المقيمة بين القبائل أو المشمولة بعقود الهِجرة؛ فقد يُعترف لـ"الهاشمي" بفضل النسب أو العلم، دون أن يستتبع ذلك شعور القبلي بأنه أدنى منه، أو تسليمه بحق "الهاشمي" في إخضاعه. فالمكانة الدينية لا تستغرق جميع مصادر الاعتبار الاجتماعي؛ ويظل القبيلي، في منطق الحماية، صاحب التزام وقدرة على الدفاع والضمان. المصادر -عبد الله بن حسين الأحمر، مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: قضايا ومواقف، الأفاق للطباعة والنشر، صنعاء، ط٢، ٢٠٠٨ -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ -Andre Gingrich, Munebbih’s Northwestern Borders Through the 20th Century, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Dani e l Mart in Vari sc o Qabīlah, Jirbah and Tanmiyah: Tribes and Agriculture in the Northern Highlands of Yemen, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Marieke Brandt, Tribes and Politics in Yemen: a History of the Houthi Conflict, Oxford University Press, UK, 2017. -Paul Dresch, Imams and Tribes: The Writing and Acting of History in Upper Yemen, in Philip S. Khoury & Joseph Kostiner (Ed.), Tribes and State Formation in the Middle East, University of California Press, 1991. -Paul Dresch, Tribes, Government, and History in Yemen, Oxford University Press, 1989. -Shelagh Weir, A Tribal Order: Politics and Law in the Mountains of Yemen, University of Texas Press, USA, 2007, pp.285 -286 & Stephen Day, 2012. -Stephen W. Day, Regionalism and Rebellion in Yemen- A Troubled National Union, Cambridge University Press, New York, 2012 -Tomas Gerholm, Market, Mosque and Mafraj: Social Inequality in a Yemeni Town, University of Stockholm, 1977 -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
1
181
وتستثمر التعبئة الحوثية خطاب نصرة المظلوم والوفاء للدم والدفاع عن الأرض، فتترجم الانضمام إلى الحرب باعتباره أداءً لواجبٍ أخلاقيٍّ. لكن هذه التعبئة لا تتم عن طريق الخطاب وحده، بل طوّرت الحركة الحوثية مصفوفة من آليات التحشيد المتناسقة والمتكاملة تتناسب مع الشروط المحلية المثالية. فالتركيز مثلاً على فئة الشباب ممن يطمحون إلى القيام بأدوارٍ بطولية، وفي ظل واقعٍ مُعطلةٌ فيه كل وسائل وفُرص تمكين الشباب وتأهليهم من جهةٍ؛ ومن جهةٍ أخرى الاستفادة من هامش الاستقلالية الكبير الذي يحظى به أفراد القبائل، فالقبيلة لا تمارس الديكتاتورية أو التسلّط، والسلطة قائمة على أساس التراضٍ، وطالما الأفراد لا يُسببون تبعات سلبية أو اضراراً مباشرة لعموم القبيلة، فهم مسئولون عن تبعات قراراتهم الشخصية في نهاية المطاف. وتضيء شهادة العميد محمد الكميم في «بودكاست يمان» هذه الآليات بوضوحٍ شديد. ففي روايته لمحاولة تجنيد أحد أبنائه، تظهر شبكة الأصدقاء والمجالس والمحاضرات، ثم السلاح والطقم والدور الأمني في الحي، والإغراء بمظاهر البطولة العسكرية، ووعود المجد والجاه، والسرديات الرومانسية للاستشهاد، وصولاً إلى طلب التعزيز للجبهة. وحين يضيق أفق الدراسة والعمل أمام فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، قد يصبح هذا الاعتراف المعروض طريقاً مختصراً للشعور بالأهمية. ولا يعني ذلك أن المستهدفين جميعاً خارج التعليم؛ فالمدرسة نفسها والمراكز الموازية – المراكز الصيفية - أصبحت من قناة استقطاب. وبههذه الطريقة، تُعاد صناعة المكانة خارج الأسرة والمشيخة، ويُربط الصعود الفردي بالولاء والقتال.
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثالث/الأخير) أمين اليافعي ٥ نوفمبر ٢٠٢٦ خلال حروب صعدة، حدثت أخطاء فادحة وجسيمة في تعامل الحكومة مع "الحركة المتمردة"، فلم يتم التمييز بين أعضاء الحركة المتمردة وقبائلهم. ومع إن النخبة الحاكمة في صنعاء على معرفةٍ وعلاقةٍ وثيقةٍ بالسياق القبلي، إلا أن تعاملها بدا وكأنه يفتقر إلى أبسط حدود المعرفة. ولا شك أن تصفية الحسابات السياسية بين أقطاب النظام واعتبار هذه الأحداث فرصة ثمينة لذلك، ودون تقدير العواقب، فضلاً عن الأبعاد الإيديولوجية واستخدام بعض النافذين سلطة الدولة لتصفية حساباتهم المزمنة والمُعقدة مع قبائل مناوئة دوراً حاسماً في التحولات. فعندما لجأ بعض أعضاء الحركة، وبعد مقتل حسين الحوثي، إلى قبائلهم، طلباً للحماية، تم مهاجمة القبائل بضراوة. ومن وجهة نظر القبيلة، فقد تم ضرب أهم مرتكزين يقوم عليهما التضامن القبلي، وهما بالمناسبة أهم من النسب، فقد يتم التخلي عن فرد أو بيت من بيوت القبيلة بسبب عدم التزامه بهما؛ وهما مبدأ «التبادل الأخلاقي المتكافئ» والمتمثّل في توفير الحماية كرد منطقي على ضعف حصانة الأفراد، ومفهوم الشرف حيث يُعَدُ مهاجمة أراضي القبيلة محاولة لكسر شرفها، خصوصاً عندما يكون هناك أفراد من قبائل منافسة/مناوئة جزءاً من الحملة (القاعدة أو القانون الذي يحكم علاقة القبائل ببعضها «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» والذي أوردناه في الجزء الأول من المقال). تفترض القبيلة بأنه في حالة لجأ إليها أفرادها، فعليها واجب توفير الحماية لهم مهما كانت دوافعهم، ولا يعني ذلك السكوت أو الدفاع عن أخطائهم، بل ما تنتظره هو أن تدخل الأطراف الأخرى في تفاوض معها بالطرق المتعارف عليها في الأعراف القبلية لإيجاد حل يُرضي جميع الأطراف. وربما أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إنه عندما عاد الشيخ مقبل الوادعي إلى صعدة، وبدأ دعوته السلفية، واجهة مضايقات كثيرة، فقامت قبيلته (وادعة) بتوفير الحماية له، ويُروى أن أفراد القبيلة ممن كانوا يرابطون في مسجده لتوفير الحماية، كانوا يرفضون الصلاة بعده بكونهم زيود. ربما شعرت الدولة في تلك الفترة بأنها تمتلك من القوة بما يكفي لإخضاع القبائل، لكن عمليات الاجتياح لأراضي القبائل، والقصف الذي تعرضت له مساكنهم، وتدمير مزارعهم، وحالات النهب والسلب التي رافقت الاجتياح، وبمشاركة مجموعات قبلية منافسة... كل ذلك وَلَدَ شعوراً قوياً لدى القبائل بأن هذه العمليات هدفها إذلالهم، وكسر شرفهم، وضمن تصفية الحسابات المحلية التي تعود بعضها إلى العام ١٩٦٢، وربما إلى ما قبل ذلك التاريخ، وليس مجرد التعامل مع بعض أبناء قبائلهم ممن ينتمون إلى الحركة الحوثية. وكثير من القبائل كان لهم موقفاً معارضاً لدعوة حسين الحوثي، لدرجة أن بعضهم كان قد منع الحديث أو الخطبة على الطريقة الحوثية، وترديد الصرخة في مساجد مناطقهم، كما خشي بعضٌ من مشائخ القبائل من تمدد نفوذ الحوثي وسحب البساط عنهم (من الجديد ذكره أن محافظة صعدة شَهِدت أعنف المواجهات بين الجمهوريين والملكيين خلال حروب السبع سنوات ١٩٦٣ – ١٩٧٠). وبداية من الحرب الثانية سيطرت أسباب الثأر على البُعد الإيديولوجي في حروب صعدة لدرجة أن الحركة في بداية الأمر خشيت أن يتحول الصراع إلى نزاعات قبلية بحتة يُصبِح من الصعب توجيها والسيطرة عليها، لكنها بلا شك استفادت كثيراً من تدفق آلاف المقاتلين من القبائل تباعاً، ودون الحاجة إلى عناء كبير في التربية الإيديولوجية وكما فعلوا مع طلائع المقاتلين الأصليين في الحركة، فحاولوا استثمار زخم التمرد سواء للقتال من أجل القبائل، أو ضد خصومهم، أو الحكومة، أو شيخ مكروه، ومراكمته ضمن مكاسب الحركة المُتعاظمة مع كل حرب. وبالتأكيد لم يكن بمقدر الحركة أن تتوسع بهذا الشكل لولا الصراع الضاري داخل النظام الحاكم الذي بلغت ذروته في العام ٢٠١١. ومع سيطرة الحركة الحوثية على صعدة العام ٢٠١١، ثم صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤، توسّعت إعادة هندسة علاقات القوة أو السلطة داخل القبائل سواء عن طريق استبدال وجاهات موالية أو انتداب مشروفين يكونون بمثابة القنوات لحشد المقاتلين بطريقة تتجاوز الوسيط التقليدي. ومعرفة الحوثيين أو الأسر الهاشمية الحاكمة أو الطامحة للحكم بمجتمعات القبائل تنبع من ثلاثة مصادر متداخلة: المعرفة النظرية عن طريق الأدبيات التقليدية التي تراكمت على مدى عقود. الهِجَر الموجودة في أوساط القبائل وهي بمثابة مراكز رصد وإحصاء واستشراف (مبكرة) لو استعرنا مصطلحات اليوم تُتابع أدق التفاصيل والتطورات داخل القبائل، وتقيّم حالة التنافس بين الافخاذ والبيوت حول المشيخة، ولَعَب أدوار الموجّه والمُرشد والمُحشِّد أثناء فترات الصعود. ويتمثل العامل الثالث في التعامل والاحتكاك الدائمين مع المجتمع القبلي، ونقل وتطبيق هذه المعارف والخبرات مباشرة على المجتمعات المعنية. (هذه المعرفة تتموضع في مرحلة متقدمة جداً مقارنة مع المختصين المحليين، ممن يذهبون إلى دول أخرى لدراسة نظريات حول المجتمعات القبلية، جزء كبير منها لم يتم إنتاجه حول البنية القبلية في اليمن، ثم يعودون بمجموعة من الأفكار النظرية التي تتداخل مع عوامل ثقافية وأحكام قبِليّة ليجلسوا في مكاتب مراكزهم البحثية الأنيقة في العاصمة أو مدنٍ أخرى، ثم يُشاركون تصوراتهم النمطية، ودون محاولة بذل جهود للاقتراب من هذه المجتمعات، وفهمها من الداخل، في سبيل تطوير معرفة قد تُساعد صانع القرار على إيجاد حلولٍ تَصَبُ في مسار بناء الدولة على المدى الطويل، وتجنب مخاطر الارتجاجات المفاجئة). وبعد سيطرة الحركة الحوثية على المرتفعات الشمالية، لم تسع إلى إلغاء الأعراف القبلية أو منصب الشيخ، بل تم الاستبقاء والاستحداث بما يخدم متطلبات التعبئة المستمرة، وتقويض الاستقلالية التي تسمح بالاعتراض، ودون أن يؤدي في الوقت نفسه إلى مواجهة شاملة مع القبائل. وهذا لا يعني بالضرورة أن استبدال شيخٍ بآخر - مستفيدةً من معرفتها الدقيقة والمواكبة بطبيعة التنافسات داخل كل قبيلة - لا يُهدد مصادر شرعية سلطة الشيخ المتأتية في الغالب من الاعتراف الداخلي/المحلي والالتزامات المتبادلة إلى تفويض تنظيمي مسنود بقوة خارجية. وفي سبيل ذلك تستخدم كل الوسائل التقليدية من تفاوض وإغراءات وخطاب يستهدف ممكنات أو رهانات التلقي داخل هذا الفضاء، ولا يُقْدِم على خطوة الاستبدال إلا بعدما يتم ضمان عدم تحوّل هذه الخطوة إلى سببٍ لاحتشاد معارض يجمع كل أو معظم أفراد القبيلة. وتستثمر التعبئة الحوثية خطاب نصرة المظلوم والوفاء للدم والدفاع عن الأرض، فتترجم الانضمام إلى الحرب باعتباره أداءً لواجبٍ أخلاقيٍّ. لكن هذه التعبئة لا تتم عن طريق الخطاب وحده، بل طوّرت الحركة الحوثية مصفوفة من آليات التحشيد المتناسقة والمتكاملة تتناسب مع الشروط المحلية المثالية. فالتركيز مثلاً على فئة الشباب ممن يطمحون إلى القيام بأدوارٍ بطولية، وفي ظل واقعٍ مُعطلةٌ فيه كل وسائل وفُرص تمكين الشباب وتأهليهم من جهةٍ؛ ومن جهةٍ أخرى الاستفادة من هامش الاستقلالية الكبير الذي يحظى به أفراد القبائل، فالقبيلة لا تمارس الديكتاتورية أو التسلّط، والسلطة قائمة على أساس التراضٍ، وطالما الأفراد لا يُسببون تبعات سلبية أو اضراراً مباشرة لعموم القبيلة، فهم مسئولون عن تبعات قراراتهم الشخصية في نهاية المطاف. وتضيء شهادة العميد محمد الكميم في «بودكاست يمان» هذه الآليات بوضوحٍ شديد. ففي روايته لمحاولة تجنيد أحد أبنائه، تظهر شبكة الأصدقاء والمجالس والمحاضرات، ثم السلاح والطقم والدور الأمني في الحي، والإغراء بمظاهر البطولة العسكرية، ووعود المجد والجاه، والسرديات الرومانسية للاستشهاد، وصولاً إلى طلب التعزيز للجبهة. وحين يضيق أفق الدراسة والعمل أمام فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، قد يصبح هذا الاعتراف المعروض طريقاً مختصراً للشعور بالأهمية. ولا يعني ذلك أن المستهدفين جميعاً خارج التعليم؛ فالمدرسة نفسها والمراكز الموازية – المراكز الصيفية - أصبحت من قناة استقطاب. وبههذه الطريقة، تُعاد صناعة المكانة خارج الأسرة والمشيخة، ويُربط الصعود الفردي بالولاء والقتال. وربما من المقيد أن نُنهي هذا المقال بنقاشٍ سريعٍ لتلك التصورات التي راجت في السنوات الأخيرة، وتأتي على هيئة تساؤلات استفهامية أو استنكارية عن كيف قبول القبائل لمبدأ التمييز بين الأسر الهاشمية والآخرين الذي تحاول الحركة الحوثية إعادة إحيائه، وهذه القبائل معروفة بإعطائها أهمية كبيرة لمسألة المساواة والتكافؤ في المكانة والشرف، ولا تقبل الخضوع والانقياد والتصنيف من خارجها، حتى تلك الدعوى التي تُبشِّر بها الدولة تحت يافطة "المواطنة" تكون موضع معارضة. والحقيقة إنه ينبغي، في هذا السياق، تمييز المساواة القبلية الصارمة بين النظراء عن حالة الإنكار العام لكل تمايز ديني أو أثني. فالتقابل بين لغة الأنداد والحماية وادعاءات الاصطفاء لا يُفيد، بالضرورة، نفياً شاملاً لفضل العلم أو شَرَف النَسَب، بل يُفيد أن هذا الفضل، إذا سُلِّم به، لا يستلزم شعور القبلي بالدونية ولا تفويضاً مُطلقاً بالحكم. ويقوم فضاء الاستقلال والردع والتحكيم على أهلية متبادلة قد تتعايش مع وجود مقامات دينية، بشرط ألا تتحول إلى احتكار سياسي يخرق العلاقة التبادلية. ولهذا لا ينبغي فهم المساواة في الفضاء القبلي اليمني باعتبارها نفياً لكل تمايز في النسب أو العلم أو الثروة، وإنما بوصفها، في أحد أبعادها الأساسية، اعترافاً متبادلاً بالأهلية الأخلاقية والاستقلال بين الأنداد. فالقبلي يتمسك بحقه في الحماية والتفاوض والاعتراض، كما تؤكد القبيلة حرمة مجالها وحقها في ألا تتحول قوة جارتها إلى سيادة مشروعة عليها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بـ"الأسر الهاشمية" المقيمة بين القبائل أو المشمولة بعقود الهِجرة؛ فقد يُعترف لـ"الهاشمي" بفضل النسب أو العلم، دون أن يستتبع ذلك شعور القبلي بأنه أدنى منه، أو تسليمه بحق "الهاشمي" في إخضاعه. فالمكانة الدينية لا تستغرق جميع مصادر الاعتبار الاجتماعي؛ ويظل القبيلي، في منطق الحماية، صاحب التزام وقدرة على الدفاع والضمان. المصادر -عبد الله بن حسين الأحمر، مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: قضايا ومواقف، الأفاق للطباعة والنشر، صنعاء، ط٢، ٢٠٠٨ -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ -Andre Gingrich, Munebbih’s Northwestern Borders Through the 20th Century, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Dani e l Mart in Vari sc o Qabīlah, Jirbah and Tanmiyah: Tribes and Agriculture in the Northern Highlands of Yemen, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Marieke Brandt, Tribes and Politics in Yemen: a History of the Houthi Conflict, Oxford University Press, UK, 2017. -Paul Dresch, Imams and Tribes: The Writing and Acting of History in Upper Yemen, in Philip S. Khoury & Joseph Kostiner (Ed.), Tribes and State Formation in the Middle East, University of California Press, 1991. -Paul Dresch, Tribes, Government, and History in Yemen, Oxford University Press, 1989. -Shelagh Weir, A Tribal Order: Politics and Law in the Mountains of Yemen, University of Texas Press, USA, 2007, pp.285 -286 & Stephen Day, 2012. -Stephen W. Day, Regionalism and Rebellion in Yemen- A Troubled National Union, Cambridge University Press, New York, 2012 -Tomas Gerholm, Market, Mosque and Mafraj: Social Inequality in a Yemeni Town, University of Stockholm, 1977 -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
2
238
وبعد سيطرة الحركة الحوثية على المرتفعات الشمالية، لم تسع إلى إلغاء الأعراف القبلية أو منصب الشيخ، بل تم الاستبقاء والاستحداث بما يخدم متطلبات التعبئة المستمرة، وتقويض الاستقلالية التي تسمح بالاعتراض، ودون أن يؤدي في الوقت نفسه إلى مواجهة شاملة مع القبائل. وهذا لا يعني بالضرورة أن استبدال شيخٍ بآخر - مستفيدةً من معرفتها الدقيقة والمواكبة بطبيعة التنافسات داخل كل قبيلة - لا يُهدد مصادر شرعية سلطة الشيخ المتأتية في الغالب من الاعتراف الداخلي/المحلي والالتزامات المتبادلة إلى تفويض تنظيمي مسنود بقوة خارجية. وفي سبيل ذلك تستخدم كل الوسائل التقليدية من تفاوض وإغراءات وخطاب يستهدف ممكنات أو رهانات التلقي داخل هذا الفضاء، ولا يُقْدِم على خطوة الاستبدال إلا بعدما يتم ضمان عدم تحوّل هذه الخطوة إلى سببٍ لاحتشاد معارض يجمع كل أو معظم أفراد القبيلة.
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثالث/الأخير) أمين اليافعي ٥ نوفمبر ٢٠٢٦ خلال حروب صعدة، حدثت أخطاء فادحة وجسيمة في تعامل الحكومة مع "الحركة المتمردة"، فلم يتم التمييز بين أعضاء الحركة المتمردة وقبائلهم. ومع إن النخبة الحاكمة في صنعاء على معرفةٍ وعلاقةٍ وثيقةٍ بالسياق القبلي، إلا أن تعاملها بدا وكأنه يفتقر إلى أبسط حدود المعرفة. ولا شك أن تصفية الحسابات السياسية بين أقطاب النظام واعتبار هذه الأحداث فرصة ثمينة لذلك، ودون تقدير العواقب، فضلاً عن الأبعاد الإيديولوجية واستخدام بعض النافذين سلطة الدولة لتصفية حساباتهم المزمنة والمُعقدة مع قبائل مناوئة دوراً حاسماً في التحولات. فعندما لجأ بعض أعضاء الحركة، وبعد مقتل حسين الحوثي، إلى قبائلهم، طلباً للحماية، تم مهاجمة القبائل بضراوة. ومن وجهة نظر القبيلة، فقد تم ضرب أهم مرتكزين يقوم عليهما التضامن القبلي، وهما بالمناسبة أهم من النسب، فقد يتم التخلي عن فرد أو بيت من بيوت القبيلة بسبب عدم التزامه بهما؛ وهما مبدأ «التبادل الأخلاقي المتكافئ» والمتمثّل في توفير الحماية كرد منطقي على ضعف حصانة الأفراد، ومفهوم الشرف حيث يُعَدُ مهاجمة أراضي القبيلة محاولة لكسر شرفها، خصوصاً عندما يكون هناك أفراد من قبائل منافسة/مناوئة جزءاً من الحملة (القاعدة أو القانون الذي يحكم علاقة القبائل ببعضها «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» والذي أوردناه في الجزء الأول من المقال). تفترض القبيلة بأنه في حالة لجأ إليها أفرادها، فعليها واجب توفير الحماية لهم مهما كانت دوافعهم، ولا يعني ذلك السكوت أو الدفاع عن أخطائهم، بل ما تنتظره هو أن تدخل الأطراف الأخرى في تفاوض معها بالطرق المتعارف عليها في الأعراف القبلية لإيجاد حل يُرضي جميع الأطراف. وربما أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إنه عندما عاد الشيخ مقبل الوادعي إلى صعدة، وبدأ دعوته السلفية، واجهة مضايقات كثيرة، فقامت قبيلته (وادعة) بتوفير الحماية له، ويُروى أن أفراد القبيلة ممن كانوا يرابطون في مسجده لتوفير الحماية، كانوا يرفضون الصلاة بعده بكونهم زيود. ربما شعرت الدولة في تلك الفترة بأنها تمتلك من القوة بما يكفي لإخضاع القبائل، لكن عمليات الاجتياح لأراضي القبائل، والقصف الذي تعرضت له مساكنهم، وتدمير مزارعهم، وحالات النهب والسلب التي رافقت الاجتياح، وبمشاركة مجموعات قبلية منافسة... كل ذلك وَلَدَ شعوراً قوياً لدى القبائل بأن هذه العمليات هدفها إذلالهم، وكسر شرفهم، وضمن تصفية الحسابات المحلية التي تعود بعضها إلى العام ١٩٦٢، وربما إلى ما قبل ذلك التاريخ، وليس مجرد التعامل مع بعض أبناء قبائلهم ممن ينتمون إلى الحركة الحوثية. وكثير من القبائل كان لهم موقفاً معارضاً لدعوة حسين الحوثي، لدرجة أن بعضهم كان قد منع الحديث أو الخطبة على الطريقة الحوثية، وترديد الصرخة في مساجد مناطقهم، كما خشي بعضٌ من مشائخ القبائل من تمدد نفوذ الحوثي وسحب البساط عنهم (من الجديد ذكره أن محافظة صعدة شَهِدت أعنف المواجهات بين الجمهوريين والملكيين خلال حروب السبع سنوات ١٩٦٣ – ١٩٧٠). وبداية من الحرب الثانية سيطرت أسباب الثأر على البُعد الإيديولوجي في حروب صعدة لدرجة أن الحركة في بداية الأمر خشيت أن يتحول الصراع إلى نزاعات قبلية بحتة يُصبِح من الصعب توجيها والسيطرة عليها، لكنها بلا شك استفادت كثيراً من تدفق آلاف المقاتلين من القبائل تباعاً، ودون الحاجة إلى عناء كبير في التربية الإيديولوجية وكما فعلوا مع طلائع المقاتلين الأصليين في الحركة، فحاولوا استثمار زخم التمرد سواء للقتال من أجل القبائل، أو ضد خصومهم، أو الحكومة، أو شيخ مكروه، ومراكمته ضمن مكاسب الحركة المُتعاظمة مع كل حرب. وبالتأكيد لم يكن بمقدر الحركة أن تتوسع بهذا الشكل لولا الصراع الضاري داخل النظام الحاكم الذي بلغت ذروته في العام ٢٠١١. ومع سيطرة الحركة الحوثية على صعدة العام ٢٠١١، ثم صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤، توسّعت إعادة هندسة علاقات القوة أو السلطة داخل القبائل سواء عن طريق استبدال وجاهات موالية أو انتداب مشروفين يكونون بمثابة القنوات لحشد المقاتلين بطريقة تتجاوز الوسيط التقليدي. ومعرفة الحوثيين أو الأسر الهاشمية الحاكمة أو الطامحة للحكم بمجتمعات القبائل تنبع من ثلاثة مصادر متداخلة: المعرفة النظرية عن طريق الأدبيات التقليدية التي تراكمت على مدى عقود. الهِجَر الموجودة في أوساط القبائل وهي بمثابة مراكز رصد وإحصاء واستشراف (مبكرة) لو استعرنا مصطلحات اليوم تُتابع أدق التفاصيل والتطورات داخل القبائل، وتقيّم حالة التنافس بين الافخاذ والبيوت حول المشيخة، ولَعَب أدوار الموجّه والمُرشد والمُحشِّد أثناء فترات الصعود. ويتمثل العامل الثالث في التعامل والاحتكاك الدائمين مع المجتمع القبلي، ونقل وتطبيق هذه المعارف والخبرات مباشرة على المجتمعات المعنية. (هذه المعرفة تتموضع في مرحلة متقدمة جداً مقارنة مع المختصين المحليين، ممن يذهبون إلى دول أخرى لدراسة نظريات حول المجتمعات القبلية، جزء كبير منها لم يتم إنتاجه حول البنية القبلية في اليمن، ثم يعودون بمجموعة من الأفكار النظرية التي تتداخل مع عوامل ثقافية وأحكام قبِليّة ليجلسوا في مكاتب مراكزهم البحثية الأنيقة في العاصمة أو مدنٍ أخرى، ثم يُشاركون تصوراتهم النمطية، ودون محاولة بذل جهود للاقتراب من هذه المجتمعات، وفهمها من الداخل، في سبيل تطوير معرفة قد تُساعد صانع القرار على إيجاد حلولٍ تَصَبُ في مسار بناء الدولة على المدى الطويل، وتجنب مخاطر الارتجاجات المفاجئة). وبعد سيطرة الحركة الحوثية على المرتفعات الشمالية، لم تسع إلى إلغاء الأعراف القبلية أو منصب الشيخ، بل تم الاستبقاء والاستحداث بما يخدم متطلبات التعبئة المستمرة، وتقويض الاستقلالية التي تسمح بالاعتراض، ودون أن يؤدي في الوقت نفسه إلى مواجهة شاملة مع القبائل. وهذا لا يعني بالضرورة أن استبدال شيخٍ بآخر - مستفيدةً من معرفتها الدقيقة والمواكبة بطبيعة التنافسات داخل كل قبيلة - لا يُهدد مصادر شرعية سلطة الشيخ المتأتية في الغالب من الاعتراف الداخلي/المحلي والالتزامات المتبادلة إلى تفويض تنظيمي مسنود بقوة خارجية. وفي سبيل ذلك تستخدم كل الوسائل التقليدية من تفاوض وإغراءات وخطاب يستهدف ممكنات أو رهانات التلقي داخل هذا الفضاء، ولا يُقْدِم على خطوة الاستبدال إلا بعدما يتم ضمان عدم تحوّل هذه الخطوة إلى سببٍ لاحتشاد معارض يجمع كل أو معظم أفراد القبيلة. وتستثمر التعبئة الحوثية خطاب نصرة المظلوم والوفاء للدم والدفاع عن الأرض، فتترجم الانضمام إلى الحرب باعتباره أداءً لواجبٍ أخلاقيٍّ. لكن هذه التعبئة لا تتم عن طريق الخطاب وحده، بل طوّرت الحركة الحوثية مصفوفة من آليات التحشيد المتناسقة والمتكاملة تتناسب مع الشروط المحلية المثالية. فالتركيز مثلاً على فئة الشباب ممن يطمحون إلى القيام بأدوارٍ بطولية، وفي ظل واقعٍ مُعطلةٌ فيه كل وسائل وفُرص تمكين الشباب وتأهليهم من جهةٍ؛ ومن جهةٍ أخرى الاستفادة من هامش الاستقلالية الكبير الذي يحظى به أفراد القبائل، فالقبيلة لا تمارس الديكتاتورية أو التسلّط، والسلطة قائمة على أساس التراضٍ، وطالما الأفراد لا يُسببون تبعات سلبية أو اضراراً مباشرة لعموم القبيلة، فهم مسئولون عن تبعات قراراتهم الشخصية في نهاية المطاف. وتضيء شهادة العميد محمد الكميم في «بودكاست يمان» هذه الآليات بوضوحٍ شديد. ففي روايته لمحاولة تجنيد أحد أبنائه، تظهر شبكة الأصدقاء والمجالس والمحاضرات، ثم السلاح والطقم والدور الأمني في الحي، والإغراء بمظاهر البطولة العسكرية، ووعود المجد والجاه، والسرديات الرومانسية للاستشهاد، وصولاً إلى طلب التعزيز للجبهة. وحين يضيق أفق الدراسة والعمل أمام فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، قد يصبح هذا الاعتراف المعروض طريقاً مختصراً للشعور بالأهمية. ولا يعني ذلك أن المستهدفين جميعاً خارج التعليم؛ فالمدرسة نفسها والمراكز الموازية – المراكز الصيفية - أصبحت من قناة استقطاب. وبههذه الطريقة، تُعاد صناعة المكانة خارج الأسرة والمشيخة، ويُربط الصعود الفردي بالولاء والقتال. وربما من المقيد أن نُنهي هذا المقال بنقاشٍ سريعٍ لتلك التصورات التي راجت في السنوات الأخيرة، وتأتي على هيئة تساؤلات استفهامية أو استنكارية عن كيف قبول القبائل لمبدأ التمييز بين الأسر الهاشمية والآخرين الذي تحاول الحركة الحوثية إعادة إحيائه، وهذه القبائل معروفة بإعطائها أهمية كبيرة لمسألة المساواة والتكافؤ في المكانة والشرف، ولا تقبل الخضوع والانقياد والتصنيف من خارجها، حتى تلك الدعوى التي تُبشِّر بها الدولة تحت يافطة "المواطنة" تكون موضع معارضة. والحقيقة إنه ينبغي، في هذا السياق، تمييز المساواة القبلية الصارمة بين النظراء عن حالة الإنكار العام لكل تمايز ديني أو أثني. فالتقابل بين لغة الأنداد والحماية وادعاءات الاصطفاء لا يُفيد، بالضرورة، نفياً شاملاً لفضل العلم أو شَرَف النَسَب، بل يُفيد أن هذا الفضل، إذا سُلِّم به، لا يستلزم شعور القبلي بالدونية ولا تفويضاً مُطلقاً بالحكم. ويقوم فضاء الاستقلال والردع والتحكيم على أهلية متبادلة قد تتعايش مع وجود مقامات دينية، بشرط ألا تتحول إلى احتكار سياسي يخرق العلاقة التبادلية. ولهذا لا ينبغي فهم المساواة في الفضاء القبلي اليمني باعتبارها نفياً لكل تمايز في النسب أو العلم أو الثروة، وإنما بوصفها، في أحد أبعادها الأساسية، اعترافاً متبادلاً بالأهلية الأخلاقية والاستقلال بين الأنداد. فالقبلي يتمسك بحقه في الحماية والتفاوض والاعتراض، كما تؤكد القبيلة حرمة مجالها وحقها في ألا تتحول قوة جارتها إلى سيادة مشروعة عليها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بـ"الأسر الهاشمية" المقيمة بين القبائل أو المشمولة بعقود الهِجرة؛ فقد يُعترف لـ"الهاشمي" بفضل النسب أو العلم، دون أن يستتبع ذلك شعور القبلي بأنه أدنى منه، أو تسليمه بحق "الهاشمي" في إخضاعه. فالمكانة الدينية لا تستغرق جميع مصادر الاعتبار الاجتماعي؛ ويظل القبيلي، في منطق الحماية، صاحب التزام وقدرة على الدفاع والضمان. المصادر -عبد الله بن حسين الأحمر، مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: قضايا ومواقف، الأفاق للطباعة والنشر، صنعاء، ط٢، ٢٠٠٨ -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ -Andre Gingrich, Munebbih’s Northwestern Borders Through the 20th Century, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Dani e l Mart in Vari sc o Qabīlah, Jirbah and Tanmiyah: Tribes and Agriculture in the Northern Highlands of Yemen, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Marieke Brandt, Tribes and Politics in Yemen: a History of the Houthi Conflict, Oxford University Press, UK, 2017. -Paul Dresch, Imams and Tribes: The Writing and Acting of History in Upper Yemen, in Philip S. Khoury & Joseph Kostiner (Ed.), Tribes and State Formation in the Middle East, University of California Press, 1991. -Paul Dresch, Tribes, Government, and History in Yemen, Oxford University Press, 1989. -Shelagh Weir, A Tribal Order: Politics and Law in the Mountains of Yemen, University of Texas Press, USA, 2007, pp.285 -286 & Stephen Day, 2012. -Stephen W. Day, Regionalism and Rebellion in Yemen- A Troubled National Union, Cambridge University Press, New York, 2012 -Tomas Gerholm, Market, Mosque and Mafraj: Social Inequality in a Yemeni Town, University of Stockholm, 1977 -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
4
218
ومع سيطرة الحركة الحوثية على صعدة العام ٢٠١١، ثم صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤، توسّعت إعادة هندسة علاقات القوة أو السلطة داخل القبائل سواء عن طريق استبدال وجاهات موالية أو انتداب مشروفين يكونون بمثابة القنوات لحشد المقاتلين بطريقة تتجاوز الوسيط التقليدي. ومعرفة الحوثيين أو الأسر الهاشمية الحاكمة أو الطامحة للحكم بمجتمعات القبائل تنبع من ثلاثة مصادر متداخلة: المعرفة النظرية عن طريق الأدبيات التقليدية التي تراكمت على مدى عقود. الهِجَر الموجودة في أوساط القبائل وهي بمثابة مراكز رصد وإحصاء واستشراف (مبكرة) لو استعرنا مصطلحات اليوم تُتابع أدق التفاصيل والتطورات داخل القبائل، وتقيّم حالة التنافس بين الافخاذ والبيوت حول المشيخة، ولَعَب أدوار الموجّه والمُرشد والمُحشِّد أثناء فترات الصعود. ويتمثل العامل الثالث في التعامل والاحتكاك الدائمين مع المجتمع القبلي، ونقل وتطبيق هذه المعارف والخبرات مباشرة على المجتمعات المعنية. (هذه المعرفة تتموضع في مرحلة متقدمة جداً مقارنة مع المختصين المحليين، ممن يذهبون إلى دول أخرى لدراسة نظريات حول المجتمعات القبلية، جزء كبير منها لم يتم إنتاجه حول البنية القبلية في اليمن، ثم يعودون بمجموعة من الأفكار النظرية التي تتداخل مع عوامل ثقافية وأحكام قبِليّة ليجلسوا في مكاتب مراكزهم البحثية الأنيقة في العاصمة أو مدنٍ أخرى، ثم يُشاركون تصوراتهم النمطية، ودون محاولة بذل جهود للاقتراب من هذه المجتمعات، وفهمها من الداخل، في سبيل تطوير معرفة قد تُساعد صانع القرار على إيجاد حلولٍ تَصَبُ في مسار بناء الدولة على المدى الطويل، وتجنب مخاطر الارتجاجات المفاجئة).
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثالث/الأخير) أمين اليافعي ٥ نوفمبر ٢٠٢٦ خلال حروب صعدة، حدثت أخطاء فادحة وجسيمة في تعامل الحكومة مع "الحركة المتمردة"، فلم يتم التمييز بين أعضاء الحركة المتمردة وقبائلهم. ومع إن النخبة الحاكمة في صنعاء على معرفةٍ وعلاقةٍ وثيقةٍ بالسياق القبلي، إلا أن تعاملها بدا وكأنه يفتقر إلى أبسط حدود المعرفة. ولا شك أن تصفية الحسابات السياسية بين أقطاب النظام واعتبار هذه الأحداث فرصة ثمينة لذلك، ودون تقدير العواقب، فضلاً عن الأبعاد الإيديولوجية واستخدام بعض النافذين سلطة الدولة لتصفية حساباتهم المزمنة والمُعقدة مع قبائل مناوئة دوراً حاسماً في التحولات. فعندما لجأ بعض أعضاء الحركة، وبعد مقتل حسين الحوثي، إلى قبائلهم، طلباً للحماية، تم مهاجمة القبائل بضراوة. ومن وجهة نظر القبيلة، فقد تم ضرب أهم مرتكزين يقوم عليهما التضامن القبلي، وهما بالمناسبة أهم من النسب، فقد يتم التخلي عن فرد أو بيت من بيوت القبيلة بسبب عدم التزامه بهما؛ وهما مبدأ «التبادل الأخلاقي المتكافئ» والمتمثّل في توفير الحماية كرد منطقي على ضعف حصانة الأفراد، ومفهوم الشرف حيث يُعَدُ مهاجمة أراضي القبيلة محاولة لكسر شرفها، خصوصاً عندما يكون هناك أفراد من قبائل منافسة/مناوئة جزءاً من الحملة (القاعدة أو القانون الذي يحكم علاقة القبائل ببعضها «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» والذي أوردناه في الجزء الأول من المقال). تفترض القبيلة بأنه في حالة لجأ إليها أفرادها، فعليها واجب توفير الحماية لهم مهما كانت دوافعهم، ولا يعني ذلك السكوت أو الدفاع عن أخطائهم، بل ما تنتظره هو أن تدخل الأطراف الأخرى في تفاوض معها بالطرق المتعارف عليها في الأعراف القبلية لإيجاد حل يُرضي جميع الأطراف. وربما أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إنه عندما عاد الشيخ مقبل الوادعي إلى صعدة، وبدأ دعوته السلفية، واجهة مضايقات كثيرة، فقامت قبيلته (وادعة) بتوفير الحماية له، ويُروى أن أفراد القبيلة ممن كانوا يرابطون في مسجده لتوفير الحماية، كانوا يرفضون الصلاة بعده بكونهم زيود. ربما شعرت الدولة في تلك الفترة بأنها تمتلك من القوة بما يكفي لإخضاع القبائل، لكن عمليات الاجتياح لأراضي القبائل، والقصف الذي تعرضت له مساكنهم، وتدمير مزارعهم، وحالات النهب والسلب التي رافقت الاجتياح، وبمشاركة مجموعات قبلية منافسة... كل ذلك وَلَدَ شعوراً قوياً لدى القبائل بأن هذه العمليات هدفها إذلالهم، وكسر شرفهم، وضمن تصفية الحسابات المحلية التي تعود بعضها إلى العام ١٩٦٢، وربما إلى ما قبل ذلك التاريخ، وليس مجرد التعامل مع بعض أبناء قبائلهم ممن ينتمون إلى الحركة الحوثية. وكثير من القبائل كان لهم موقفاً معارضاً لدعوة حسين الحوثي، لدرجة أن بعضهم كان قد منع الحديث أو الخطبة على الطريقة الحوثية، وترديد الصرخة في مساجد مناطقهم، كما خشي بعضٌ من مشائخ القبائل من تمدد نفوذ الحوثي وسحب البساط عنهم (من الجديد ذكره أن محافظة صعدة شَهِدت أعنف المواجهات بين الجمهوريين والملكيين خلال حروب السبع سنوات ١٩٦٣ – ١٩٧٠). وبداية من الحرب الثانية سيطرت أسباب الثأر على البُعد الإيديولوجي في حروب صعدة لدرجة أن الحركة في بداية الأمر خشيت أن يتحول الصراع إلى نزاعات قبلية بحتة يُصبِح من الصعب توجيها والسيطرة عليها، لكنها بلا شك استفادت كثيراً من تدفق آلاف المقاتلين من القبائل تباعاً، ودون الحاجة إلى عناء كبير في التربية الإيديولوجية وكما فعلوا مع طلائع المقاتلين الأصليين في الحركة، فحاولوا استثمار زخم التمرد سواء للقتال من أجل القبائل، أو ضد خصومهم، أو الحكومة، أو شيخ مكروه، ومراكمته ضمن مكاسب الحركة المُتعاظمة مع كل حرب. وبالتأكيد لم يكن بمقدر الحركة أن تتوسع بهذا الشكل لولا الصراع الضاري داخل النظام الحاكم الذي بلغت ذروته في العام ٢٠١١. ومع سيطرة الحركة الحوثية على صعدة العام ٢٠١١، ثم صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤، توسّعت إعادة هندسة علاقات القوة أو السلطة داخل القبائل سواء عن طريق استبدال وجاهات موالية أو انتداب مشروفين يكونون بمثابة القنوات لحشد المقاتلين بطريقة تتجاوز الوسيط التقليدي. ومعرفة الحوثيين أو الأسر الهاشمية الحاكمة أو الطامحة للحكم بمجتمعات القبائل تنبع من ثلاثة مصادر متداخلة: المعرفة النظرية عن طريق الأدبيات التقليدية التي تراكمت على مدى عقود. الهِجَر الموجودة في أوساط القبائل وهي بمثابة مراكز رصد وإحصاء واستشراف (مبكرة) لو استعرنا مصطلحات اليوم تُتابع أدق التفاصيل والتطورات داخل القبائل، وتقيّم حالة التنافس بين الافخاذ والبيوت حول المشيخة، ولَعَب أدوار الموجّه والمُرشد والمُحشِّد أثناء فترات الصعود. ويتمثل العامل الثالث في التعامل والاحتكاك الدائمين مع المجتمع القبلي، ونقل وتطبيق هذه المعارف والخبرات مباشرة على المجتمعات المعنية. (هذه المعرفة تتموضع في مرحلة متقدمة جداً مقارنة مع المختصين المحليين، ممن يذهبون إلى دول أخرى لدراسة نظريات حول المجتمعات القبلية، جزء كبير منها لم يتم إنتاجه حول البنية القبلية في اليمن، ثم يعودون بمجموعة من الأفكار النظرية التي تتداخل مع عوامل ثقافية وأحكام قبِليّة ليجلسوا في مكاتب مراكزهم البحثية الأنيقة في العاصمة أو مدنٍ أخرى، ثم يُشاركون تصوراتهم النمطية، ودون محاولة بذل جهود للاقتراب من هذه المجتمعات، وفهمها من الداخل، في سبيل تطوير معرفة قد تُساعد صانع القرار على إيجاد حلولٍ تَصَبُ في مسار بناء الدولة على المدى الطويل، وتجنب مخاطر الارتجاجات المفاجئة). وبعد سيطرة الحركة الحوثية على المرتفعات الشمالية، لم تسع إلى إلغاء الأعراف القبلية أو منصب الشيخ، بل تم الاستبقاء والاستحداث بما يخدم متطلبات التعبئة المستمرة، وتقويض الاستقلالية التي تسمح بالاعتراض، ودون أن يؤدي في الوقت نفسه إلى مواجهة شاملة مع القبائل. وهذا لا يعني بالضرورة أن استبدال شيخٍ بآخر - مستفيدةً من معرفتها الدقيقة والمواكبة بطبيعة التنافسات داخل كل قبيلة - لا يُهدد مصادر شرعية سلطة الشيخ المتأتية في الغالب من الاعتراف الداخلي/المحلي والالتزامات المتبادلة إلى تفويض تنظيمي مسنود بقوة خارجية. وفي سبيل ذلك تستخدم كل الوسائل التقليدية من تفاوض وإغراءات وخطاب يستهدف ممكنات أو رهانات التلقي داخل هذا الفضاء، ولا يُقْدِم على خطوة الاستبدال إلا بعدما يتم ضمان عدم تحوّل هذه الخطوة إلى سببٍ لاحتشاد معارض يجمع كل أو معظم أفراد القبيلة. وتستثمر التعبئة الحوثية خطاب نصرة المظلوم والوفاء للدم والدفاع عن الأرض، فتترجم الانضمام إلى الحرب باعتباره أداءً لواجبٍ أخلاقيٍّ. لكن هذه التعبئة لا تتم عن طريق الخطاب وحده، بل طوّرت الحركة الحوثية مصفوفة من آليات التحشيد المتناسقة والمتكاملة تتناسب مع الشروط المحلية المثالية. فالتركيز مثلاً على فئة الشباب ممن يطمحون إلى القيام بأدوارٍ بطولية، وفي ظل واقعٍ مُعطلةٌ فيه كل وسائل وفُرص تمكين الشباب وتأهليهم من جهةٍ؛ ومن جهةٍ أخرى الاستفادة من هامش الاستقلالية الكبير الذي يحظى به أفراد القبائل، فالقبيلة لا تمارس الديكتاتورية أو التسلّط، والسلطة قائمة على أساس التراضٍ، وطالما الأفراد لا يُسببون تبعات سلبية أو اضراراً مباشرة لعموم القبيلة، فهم مسئولون عن تبعات قراراتهم الشخصية في نهاية المطاف. وتضيء شهادة العميد محمد الكميم في «بودكاست يمان» هذه الآليات بوضوحٍ شديد. ففي روايته لمحاولة تجنيد أحد أبنائه، تظهر شبكة الأصدقاء والمجالس والمحاضرات، ثم السلاح والطقم والدور الأمني في الحي، والإغراء بمظاهر البطولة العسكرية، ووعود المجد والجاه، والسرديات الرومانسية للاستشهاد، وصولاً إلى طلب التعزيز للجبهة. وحين يضيق أفق الدراسة والعمل أمام فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، قد يصبح هذا الاعتراف المعروض طريقاً مختصراً للشعور بالأهمية. ولا يعني ذلك أن المستهدفين جميعاً خارج التعليم؛ فالمدرسة نفسها والمراكز الموازية – المراكز الصيفية - أصبحت من قناة استقطاب. وبههذه الطريقة، تُعاد صناعة المكانة خارج الأسرة والمشيخة، ويُربط الصعود الفردي بالولاء والقتال. وربما من المقيد أن نُنهي هذا المقال بنقاشٍ سريعٍ لتلك التصورات التي راجت في السنوات الأخيرة، وتأتي على هيئة تساؤلات استفهامية أو استنكارية عن كيف قبول القبائل لمبدأ التمييز بين الأسر الهاشمية والآخرين الذي تحاول الحركة الحوثية إعادة إحيائه، وهذه القبائل معروفة بإعطائها أهمية كبيرة لمسألة المساواة والتكافؤ في المكانة والشرف، ولا تقبل الخضوع والانقياد والتصنيف من خارجها، حتى تلك الدعوى التي تُبشِّر بها الدولة تحت يافطة "المواطنة" تكون موضع معارضة. والحقيقة إنه ينبغي، في هذا السياق، تمييز المساواة القبلية الصارمة بين النظراء عن حالة الإنكار العام لكل تمايز ديني أو أثني. فالتقابل بين لغة الأنداد والحماية وادعاءات الاصطفاء لا يُفيد، بالضرورة، نفياً شاملاً لفضل العلم أو شَرَف النَسَب، بل يُفيد أن هذا الفضل، إذا سُلِّم به، لا يستلزم شعور القبلي بالدونية ولا تفويضاً مُطلقاً بالحكم. ويقوم فضاء الاستقلال والردع والتحكيم على أهلية متبادلة قد تتعايش مع وجود مقامات دينية، بشرط ألا تتحول إلى احتكار سياسي يخرق العلاقة التبادلية. ولهذا لا ينبغي فهم المساواة في الفضاء القبلي اليمني باعتبارها نفياً لكل تمايز في النسب أو العلم أو الثروة، وإنما بوصفها، في أحد أبعادها الأساسية، اعترافاً متبادلاً بالأهلية الأخلاقية والاستقلال بين الأنداد. فالقبلي يتمسك بحقه في الحماية والتفاوض والاعتراض، كما تؤكد القبيلة حرمة مجالها وحقها في ألا تتحول قوة جارتها إلى سيادة مشروعة عليها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بـ"الأسر الهاشمية" المقيمة بين القبائل أو المشمولة بعقود الهِجرة؛ فقد يُعترف لـ"الهاشمي" بفضل النسب أو العلم، دون أن يستتبع ذلك شعور القبلي بأنه أدنى منه، أو تسليمه بحق "الهاشمي" في إخضاعه. فالمكانة الدينية لا تستغرق جميع مصادر الاعتبار الاجتماعي؛ ويظل القبيلي، في منطق الحماية، صاحب التزام وقدرة على الدفاع والضمان. المصادر -عبد الله بن حسين الأحمر، مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: قضايا ومواقف، الأفاق للطباعة والنشر، صنعاء، ط٢، ٢٠٠٨ -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ -Andre Gingrich, Munebbih’s Northwestern Borders Through the 20th Century, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Dani e l Mart in Vari sc o Qabīlah, Jirbah and Tanmiyah: Tribes and Agriculture in the Northern Highlands of Yemen, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Marieke Brandt, Tribes and Politics in Yemen: a History of the Houthi Conflict, Oxford University Press, UK, 2017. -Paul Dresch, Imams and Tribes: The Writing and Acting of History in Upper Yemen, in Philip S. Khoury & Joseph Kostiner (Ed.), Tribes and State Formation in the Middle East, University of California Press, 1991. -Paul Dresch, Tribes, Government, and History in Yemen, Oxford University Press, 1989. -Shelagh Weir, A Tribal Order: Politics and Law in the Mountains of Yemen, University of Texas Press, USA, 2007, pp.285 -286 & Stephen Day, 2012. -Stephen W. Day, Regionalism and Rebellion in Yemen- A Troubled National Union, Cambridge University Press, New York, 2012 -Tomas Gerholm, Market, Mosque and Mafraj: Social Inequality in a Yemeni Town, University of Stockholm, 1977 -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
3
254
خُلاصة: لا مشكلة مع الأخطاء الواضحة، فالناس يُشاركون جميعاً في نقدها وتصحيحها. أكثر ما تعلمناه خلال السنوات الماضية المريرة والكثيفة أن أكبر الكوارث لا تتسلل إلا عبر الانتهازية التي يتم تقديمها في ثياب البطولة والثبات والتضحية، وهي مسألة يجب أن تنتبه إليها النُخب جيداً، وتَصُبُ عُصارة وعيها في سبيل ضبطها وكشفها، ومنذ وقتٍ مبكرٍ. *** مبدأ: أنا ضد انتهاك كرامة أي إنسان، ومنها احتجازه أو سلبه أشياء تخصه بطريقة غير قانونية، وهي مسألة غير قابلة للتفاوض، للنقاش أو التنسيب، وعلى نحوٍ مبدئيٍّ. فمن الحقوق الأساسية للإنسان أن يخضع لإجراءات قانونية عادلة، إجراءات يجب أن تُطبَّق في كل مكان، ويُطالَب بها كل الأطراف دون استثناء. نحو في القرن الواحد والعشرين، وعلينا جميعاً، وفي كل مكان على هذا الكوكب، أن نُساهم في صون كرامة الإنسان، وإن تتحول هذه المهمة إلى غاية الغايات.
1
3
610
وبداية من الحرب الثانية سيطرت أسباب الثأر على البُعد الإيديولوجي في حروب صعدة لدرجة أن الحركة في بداية الأمر خشيت أن يتحول الصراع إلى نزاعات قبلية بحتة يُصبِح من الصعب توجيها والسيطرة عليها، لكنها بلا شك استفادت كثيراً من تدفق آلاف المقاتلين من القبائل تباعاً، ودون الحاجة إلى عناء كبير في التربية الإيديولوجية وكما فعلوا مع طلائع المقاتلين الأصليين في الحركة، فحاولوا استثمار زخم التمرد سواء للقتال من أجل القبائل، أو ضد خصومهم، أو الحكومة، أو شيخ مكروه، ومراكمته ضمن مكاسب الحركة المُتعاظمة مع كل حرب. وبالتأكيد لم يكن بمقدر الحركة أن تتوسع بهذا الشكل لولا الصراع الضاري داخل النظام الحاكم الذي بلغت ذروته في العام ٢٠١١.
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثالث/الأخير) أمين اليافعي ٥ نوفمبر ٢٠٢٦ خلال حروب صعدة، حدثت أخطاء فادحة وجسيمة في تعامل الحكومة مع "الحركة المتمردة"، فلم يتم التمييز بين أعضاء الحركة المتمردة وقبائلهم. ومع إن النخبة الحاكمة في صنعاء على معرفةٍ وعلاقةٍ وثيقةٍ بالسياق القبلي، إلا أن تعاملها بدا وكأنه يفتقر إلى أبسط حدود المعرفة. ولا شك أن تصفية الحسابات السياسية بين أقطاب النظام واعتبار هذه الأحداث فرصة ثمينة لذلك، ودون تقدير العواقب، فضلاً عن الأبعاد الإيديولوجية واستخدام بعض النافذين سلطة الدولة لتصفية حساباتهم المزمنة والمُعقدة مع قبائل مناوئة دوراً حاسماً في التحولات. فعندما لجأ بعض أعضاء الحركة، وبعد مقتل حسين الحوثي، إلى قبائلهم، طلباً للحماية، تم مهاجمة القبائل بضراوة. ومن وجهة نظر القبيلة، فقد تم ضرب أهم مرتكزين يقوم عليهما التضامن القبلي، وهما بالمناسبة أهم من النسب، فقد يتم التخلي عن فرد أو بيت من بيوت القبيلة بسبب عدم التزامه بهما؛ وهما مبدأ «التبادل الأخلاقي المتكافئ» والمتمثّل في توفير الحماية كرد منطقي على ضعف حصانة الأفراد، ومفهوم الشرف حيث يُعَدُ مهاجمة أراضي القبيلة محاولة لكسر شرفها، خصوصاً عندما يكون هناك أفراد من قبائل منافسة/مناوئة جزءاً من الحملة (القاعدة أو القانون الذي يحكم علاقة القبائل ببعضها «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» والذي أوردناه في الجزء الأول من المقال). تفترض القبيلة بأنه في حالة لجأ إليها أفرادها، فعليها واجب توفير الحماية لهم مهما كانت دوافعهم، ولا يعني ذلك السكوت أو الدفاع عن أخطائهم، بل ما تنتظره هو أن تدخل الأطراف الأخرى في تفاوض معها بالطرق المتعارف عليها في الأعراف القبلية لإيجاد حل يُرضي جميع الأطراف. وربما أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إنه عندما عاد الشيخ مقبل الوادعي إلى صعدة، وبدأ دعوته السلفية، واجهة مضايقات كثيرة، فقامت قبيلته (وادعة) بتوفير الحماية له، ويُروى أن أفراد القبيلة ممن كانوا يرابطون في مسجده لتوفير الحماية، كانوا يرفضون الصلاة بعده بكونهم زيود. ربما شعرت الدولة في تلك الفترة بأنها تمتلك من القوة بما يكفي لإخضاع القبائل، لكن عمليات الاجتياح لأراضي القبائل، والقصف الذي تعرضت له مساكنهم، وتدمير مزارعهم، وحالات النهب والسلب التي رافقت الاجتياح، وبمشاركة مجموعات قبلية منافسة... كل ذلك وَلَدَ شعوراً قوياً لدى القبائل بأن هذه العمليات هدفها إذلالهم، وكسر شرفهم، وضمن تصفية الحسابات المحلية التي تعود بعضها إلى العام ١٩٦٢، وربما إلى ما قبل ذلك التاريخ، وليس مجرد التعامل مع بعض أبناء قبائلهم ممن ينتمون إلى الحركة الحوثية. وكثير من القبائل كان لهم موقفاً معارضاً لدعوة حسين الحوثي، لدرجة أن بعضهم كان قد منع الحديث أو الخطبة على الطريقة الحوثية، وترديد الصرخة في مساجد مناطقهم، كما خشي بعضٌ من مشائخ القبائل من تمدد نفوذ الحوثي وسحب البساط عنهم (من الجديد ذكره أن محافظة صعدة شَهِدت أعنف المواجهات بين الجمهوريين والملكيين خلال حروب السبع سنوات ١٩٦٣ – ١٩٧٠). وبداية من الحرب الثانية سيطرت أسباب الثأر على البُعد الإيديولوجي في حروب صعدة لدرجة أن الحركة في بداية الأمر خشيت أن يتحول الصراع إلى نزاعات قبلية بحتة يُصبِح من الصعب توجيها والسيطرة عليها، لكنها بلا شك استفادت كثيراً من تدفق آلاف المقاتلين من القبائل تباعاً، ودون الحاجة إلى عناء كبير في التربية الإيديولوجية وكما فعلوا مع طلائع المقاتلين الأصليين في الحركة، فحاولوا استثمار زخم التمرد سواء للقتال من أجل القبائل، أو ضد خصومهم، أو الحكومة، أو شيخ مكروه، ومراكمته ضمن مكاسب الحركة المُتعاظمة مع كل حرب. وبالتأكيد لم يكن بمقدر الحركة أن تتوسع بهذا الشكل لولا الصراع الضاري داخل النظام الحاكم الذي بلغت ذروته في العام ٢٠١١. ومع سيطرة الحركة الحوثية على صعدة العام ٢٠١١، ثم صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤، توسّعت إعادة هندسة علاقات القوة أو السلطة داخل القبائل سواء عن طريق استبدال وجاهات موالية أو انتداب مشروفين يكونون بمثابة القنوات لحشد المقاتلين بطريقة تتجاوز الوسيط التقليدي. ومعرفة الحوثيين أو الأسر الهاشمية الحاكمة أو الطامحة للحكم بمجتمعات القبائل تنبع من ثلاثة مصادر متداخلة: المعرفة النظرية عن طريق الأدبيات التقليدية التي تراكمت على مدى عقود. الهِجَر الموجودة في أوساط القبائل وهي بمثابة مراكز رصد وإحصاء واستشراف (مبكرة) لو استعرنا مصطلحات اليوم تُتابع أدق التفاصيل والتطورات داخل القبائل، وتقيّم حالة التنافس بين الافخاذ والبيوت حول المشيخة، ولَعَب أدوار الموجّه والمُرشد والمُحشِّد أثناء فترات الصعود. ويتمثل العامل الثالث في التعامل والاحتكاك الدائمين مع المجتمع القبلي، ونقل وتطبيق هذه المعارف والخبرات مباشرة على المجتمعات المعنية. (هذه المعرفة تتموضع في مرحلة متقدمة جداً مقارنة مع المختصين المحليين، ممن يذهبون إلى دول أخرى لدراسة نظريات حول المجتمعات القبلية، جزء كبير منها لم يتم إنتاجه حول البنية القبلية في اليمن، ثم يعودون بمجموعة من الأفكار النظرية التي تتداخل مع عوامل ثقافية وأحكام قبِليّة ليجلسوا في مكاتب مراكزهم البحثية الأنيقة في العاصمة أو مدنٍ أخرى، ثم يُشاركون تصوراتهم النمطية، ودون محاولة بذل جهود للاقتراب من هذه المجتمعات، وفهمها من الداخل، في سبيل تطوير معرفة قد تُساعد صانع القرار على إيجاد حلولٍ تَصَبُ في مسار بناء الدولة على المدى الطويل، وتجنب مخاطر الارتجاجات المفاجئة). وبعد سيطرة الحركة الحوثية على المرتفعات الشمالية، لم تسع إلى إلغاء الأعراف القبلية أو منصب الشيخ، بل تم الاستبقاء والاستحداث بما يخدم متطلبات التعبئة المستمرة، وتقويض الاستقلالية التي تسمح بالاعتراض، ودون أن يؤدي في الوقت نفسه إلى مواجهة شاملة مع القبائل. وهذا لا يعني بالضرورة أن استبدال شيخٍ بآخر - مستفيدةً من معرفتها الدقيقة والمواكبة بطبيعة التنافسات داخل كل قبيلة - لا يُهدد مصادر شرعية سلطة الشيخ المتأتية في الغالب من الاعتراف الداخلي/المحلي والالتزامات المتبادلة إلى تفويض تنظيمي مسنود بقوة خارجية. وفي سبيل ذلك تستخدم كل الوسائل التقليدية من تفاوض وإغراءات وخطاب يستهدف ممكنات أو رهانات التلقي داخل هذا الفضاء، ولا يُقْدِم على خطوة الاستبدال إلا بعدما يتم ضمان عدم تحوّل هذه الخطوة إلى سببٍ لاحتشاد معارض يجمع كل أو معظم أفراد القبيلة. وتستثمر التعبئة الحوثية خطاب نصرة المظلوم والوفاء للدم والدفاع عن الأرض، فتترجم الانضمام إلى الحرب باعتباره أداءً لواجبٍ أخلاقيٍّ. لكن هذه التعبئة لا تتم عن طريق الخطاب وحده، بل طوّرت الحركة الحوثية مصفوفة من آليات التحشيد المتناسقة والمتكاملة تتناسب مع الشروط المحلية المثالية. فالتركيز مثلاً على فئة الشباب ممن يطمحون إلى القيام بأدوارٍ بطولية، وفي ظل واقعٍ مُعطلةٌ فيه كل وسائل وفُرص تمكين الشباب وتأهليهم من جهةٍ؛ ومن جهةٍ أخرى الاستفادة من هامش الاستقلالية الكبير الذي يحظى به أفراد القبائل، فالقبيلة لا تمارس الديكتاتورية أو التسلّط، والسلطة قائمة على أساس التراضٍ، وطالما الأفراد لا يُسببون تبعات سلبية أو اضراراً مباشرة لعموم القبيلة، فهم مسئولون عن تبعات قراراتهم الشخصية في نهاية المطاف. وتضيء شهادة العميد محمد الكميم في «بودكاست يمان» هذه الآليات بوضوحٍ شديد. ففي روايته لمحاولة تجنيد أحد أبنائه، تظهر شبكة الأصدقاء والمجالس والمحاضرات، ثم السلاح والطقم والدور الأمني في الحي، والإغراء بمظاهر البطولة العسكرية، ووعود المجد والجاه، والسرديات الرومانسية للاستشهاد، وصولاً إلى طلب التعزيز للجبهة. وحين يضيق أفق الدراسة والعمل أمام فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، قد يصبح هذا الاعتراف المعروض طريقاً مختصراً للشعور بالأهمية. ولا يعني ذلك أن المستهدفين جميعاً خارج التعليم؛ فالمدرسة نفسها والمراكز الموازية – المراكز الصيفية - أصبحت من قناة استقطاب. وبههذه الطريقة، تُعاد صناعة المكانة خارج الأسرة والمشيخة، ويُربط الصعود الفردي بالولاء والقتال. وربما من المقيد أن نُنهي هذا المقال بنقاشٍ سريعٍ لتلك التصورات التي راجت في السنوات الأخيرة، وتأتي على هيئة تساؤلات استفهامية أو استنكارية عن كيف قبول القبائل لمبدأ التمييز بين الأسر الهاشمية والآخرين الذي تحاول الحركة الحوثية إعادة إحيائه، وهذه القبائل معروفة بإعطائها أهمية كبيرة لمسألة المساواة والتكافؤ في المكانة والشرف، ولا تقبل الخضوع والانقياد والتصنيف من خارجها، حتى تلك الدعوى التي تُبشِّر بها الدولة تحت يافطة "المواطنة" تكون موضع معارضة. والحقيقة إنه ينبغي، في هذا السياق، تمييز المساواة القبلية الصارمة بين النظراء عن حالة الإنكار العام لكل تمايز ديني أو أثني. فالتقابل بين لغة الأنداد والحماية وادعاءات الاصطفاء لا يُفيد، بالضرورة، نفياً شاملاً لفضل العلم أو شَرَف النَسَب، بل يُفيد أن هذا الفضل، إذا سُلِّم به، لا يستلزم شعور القبلي بالدونية ولا تفويضاً مُطلقاً بالحكم. ويقوم فضاء الاستقلال والردع والتحكيم على أهلية متبادلة قد تتعايش مع وجود مقامات دينية، بشرط ألا تتحول إلى احتكار سياسي يخرق العلاقة التبادلية. ولهذا لا ينبغي فهم المساواة في الفضاء القبلي اليمني باعتبارها نفياً لكل تمايز في النسب أو العلم أو الثروة، وإنما بوصفها، في أحد أبعادها الأساسية، اعترافاً متبادلاً بالأهلية الأخلاقية والاستقلال بين الأنداد. فالقبلي يتمسك بحقه في الحماية والتفاوض والاعتراض، كما تؤكد القبيلة حرمة مجالها وحقها في ألا تتحول قوة جارتها إلى سيادة مشروعة عليها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بـ"الأسر الهاشمية" المقيمة بين القبائل أو المشمولة بعقود الهِجرة؛ فقد يُعترف لـ"الهاشمي" بفضل النسب أو العلم، دون أن يستتبع ذلك شعور القبلي بأنه أدنى منه، أو تسليمه بحق "الهاشمي" في إخضاعه. فالمكانة الدينية لا تستغرق جميع مصادر الاعتبار الاجتماعي؛ ويظل القبيلي، في منطق الحماية، صاحب التزام وقدرة على الدفاع والضمان. المصادر -عبد الله بن حسين الأحمر، مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: قضايا ومواقف، الأفاق للطباعة والنشر، صنعاء، ط٢، ٢٠٠٨ -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ -Andre Gingrich, Munebbih’s Northwestern Borders Through the 20th Century, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Dani e l Mart in Vari sc o Qabīlah, Jirbah and Tanmiyah: Tribes and Agriculture in the Northern Highlands of Yemen, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Marieke Brandt, Tribes and Politics in Yemen: a History of the Houthi Conflict, Oxford University Press, UK, 2017. -Paul Dresch, Imams and Tribes: The Writing and Acting of History in Upper Yemen, in Philip S. Khoury & Joseph Kostiner (Ed.), Tribes and State Formation in the Middle East, University of California Press, 1991. -Paul Dresch, Tribes, Government, and History in Yemen, Oxford University Press, 1989. -Shelagh Weir, A Tribal Order: Politics and Law in the Mountains of Yemen, University of Texas Press, USA, 2007, pp.285 -286 & Stephen Day, 2012. -Stephen W. Day, Regionalism and Rebellion in Yemen- A Troubled National Union, Cambridge University Press, New York, 2012 -Tomas Gerholm, Market, Mosque and Mafraj: Social Inequality in a Yemeni Town, University of Stockholm, 1977 -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
2
256
ربما شعرت الدولة في تلك الفترة بأنها تمتلك من القوة بما يكفي لإخضاع القبائل، لكن عمليات الاجتياح لأراضي القبائل، والقصف الذي تعرضت له مساكنهم، وتدمير مزارعهم، وحالات النهب والسلب التي رافقت الاجتياح، وبمشاركة مجموعات قبلية منافسة... كل ذلك وَلَدَ شعوراً قوياً لدى القبائل بأن هذه العمليات هدفها إذلالهم، وكسر شرفهم، وضمن تصفية الحسابات المحلية التي تعود بعضها إلى العام ١٩٦٢، وربما إلى ما قبل ذلك التاريخ، وليس مجرد التعامل مع بعض أبناء قبائلهم ممن ينتمون إلى الحركة الحوثية. وكثير من القبائل كان لهم موقفاً معارضاً لدعوة حسين الحوثي، لدرجة أن بعضهم كان قد منع الحديث أو الخطبة على الطريقة الحوثية، وترديد الصرخة في مساجد مناطقهم، كما خشي بعضٌ من مشائخ القبائل من تمدد نفوذ الحوثي وسحب البساط عنهم (من الجديد ذكره أن محافظة صعدة شَهِدت أعنف المواجهات بين الجمهوريين والملكيين خلال حروب السبع سنوات ١٩٦٣ – ١٩٧٠).
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثالث/الأخير) أمين اليافعي ٥ نوفمبر ٢٠٢٦ خلال حروب صعدة، حدثت أخطاء فادحة وجسيمة في تعامل الحكومة مع "الحركة المتمردة"، فلم يتم التمييز بين أعضاء الحركة المتمردة وقبائلهم. ومع إن النخبة الحاكمة في صنعاء على معرفةٍ وعلاقةٍ وثيقةٍ بالسياق القبلي، إلا أن تعاملها بدا وكأنه يفتقر إلى أبسط حدود المعرفة. ولا شك أن تصفية الحسابات السياسية بين أقطاب النظام واعتبار هذه الأحداث فرصة ثمينة لذلك، ودون تقدير العواقب، فضلاً عن الأبعاد الإيديولوجية واستخدام بعض النافذين سلطة الدولة لتصفية حساباتهم المزمنة والمُعقدة مع قبائل مناوئة دوراً حاسماً في التحولات. فعندما لجأ بعض أعضاء الحركة، وبعد مقتل حسين الحوثي، إلى قبائلهم، طلباً للحماية، تم مهاجمة القبائل بضراوة. ومن وجهة نظر القبيلة، فقد تم ضرب أهم مرتكزين يقوم عليهما التضامن القبلي، وهما بالمناسبة أهم من النسب، فقد يتم التخلي عن فرد أو بيت من بيوت القبيلة بسبب عدم التزامه بهما؛ وهما مبدأ «التبادل الأخلاقي المتكافئ» والمتمثّل في توفير الحماية كرد منطقي على ضعف حصانة الأفراد، ومفهوم الشرف حيث يُعَدُ مهاجمة أراضي القبيلة محاولة لكسر شرفها، خصوصاً عندما يكون هناك أفراد من قبائل منافسة/مناوئة جزءاً من الحملة (القاعدة أو القانون الذي يحكم علاقة القبائل ببعضها «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» والذي أوردناه في الجزء الأول من المقال). تفترض القبيلة بأنه في حالة لجأ إليها أفرادها، فعليها واجب توفير الحماية لهم مهما كانت دوافعهم، ولا يعني ذلك السكوت أو الدفاع عن أخطائهم، بل ما تنتظره هو أن تدخل الأطراف الأخرى في تفاوض معها بالطرق المتعارف عليها في الأعراف القبلية لإيجاد حل يُرضي جميع الأطراف. وربما أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إنه عندما عاد الشيخ مقبل الوادعي إلى صعدة، وبدأ دعوته السلفية، واجهة مضايقات كثيرة، فقامت قبيلته (وادعة) بتوفير الحماية له، ويُروى أن أفراد القبيلة ممن كانوا يرابطون في مسجده لتوفير الحماية، كانوا يرفضون الصلاة بعده بكونهم زيود. ربما شعرت الدولة في تلك الفترة بأنها تمتلك من القوة بما يكفي لإخضاع القبائل، لكن عمليات الاجتياح لأراضي القبائل، والقصف الذي تعرضت له مساكنهم، وتدمير مزارعهم، وحالات النهب والسلب التي رافقت الاجتياح، وبمشاركة مجموعات قبلية منافسة... كل ذلك وَلَدَ شعوراً قوياً لدى القبائل بأن هذه العمليات هدفها إذلالهم، وكسر شرفهم، وضمن تصفية الحسابات المحلية التي تعود بعضها إلى العام ١٩٦٢، وربما إلى ما قبل ذلك التاريخ، وليس مجرد التعامل مع بعض أبناء قبائلهم ممن ينتمون إلى الحركة الحوثية. وكثير من القبائل كان لهم موقفاً معارضاً لدعوة حسين الحوثي، لدرجة أن بعضهم كان قد منع الحديث أو الخطبة على الطريقة الحوثية، وترديد الصرخة في مساجد مناطقهم، كما خشي بعضٌ من مشائخ القبائل من تمدد نفوذ الحوثي وسحب البساط عنهم (من الجديد ذكره أن محافظة صعدة شَهِدت أعنف المواجهات بين الجمهوريين والملكيين خلال حروب السبع سنوات ١٩٦٣ – ١٩٧٠). وبداية من الحرب الثانية سيطرت أسباب الثأر على البُعد الإيديولوجي في حروب صعدة لدرجة أن الحركة في بداية الأمر خشيت أن يتحول الصراع إلى نزاعات قبلية بحتة يُصبِح من الصعب توجيها والسيطرة عليها، لكنها بلا شك استفادت كثيراً من تدفق آلاف المقاتلين من القبائل تباعاً، ودون الحاجة إلى عناء كبير في التربية الإيديولوجية وكما فعلوا مع طلائع المقاتلين الأصليين في الحركة، فحاولوا استثمار زخم التمرد سواء للقتال من أجل القبائل، أو ضد خصومهم، أو الحكومة، أو شيخ مكروه، ومراكمته ضمن مكاسب الحركة المُتعاظمة مع كل حرب. وبالتأكيد لم يكن بمقدر الحركة أن تتوسع بهذا الشكل لولا الصراع الضاري داخل النظام الحاكم الذي بلغت ذروته في العام ٢٠١١. ومع سيطرة الحركة الحوثية على صعدة العام ٢٠١١، ثم صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤، توسّعت إعادة هندسة علاقات القوة أو السلطة داخل القبائل سواء عن طريق استبدال وجاهات موالية أو انتداب مشروفين يكونون بمثابة القنوات لحشد المقاتلين بطريقة تتجاوز الوسيط التقليدي. ومعرفة الحوثيين أو الأسر الهاشمية الحاكمة أو الطامحة للحكم بمجتمعات القبائل تنبع من ثلاثة مصادر متداخلة: المعرفة النظرية عن طريق الأدبيات التقليدية التي تراكمت على مدى عقود. الهِجَر الموجودة في أوساط القبائل وهي بمثابة مراكز رصد وإحصاء واستشراف (مبكرة) لو استعرنا مصطلحات اليوم تُتابع أدق التفاصيل والتطورات داخل القبائل، وتقيّم حالة التنافس بين الافخاذ والبيوت حول المشيخة، ولَعَب أدوار الموجّه والمُرشد والمُحشِّد أثناء فترات الصعود. ويتمثل العامل الثالث في التعامل والاحتكاك الدائمين مع المجتمع القبلي، ونقل وتطبيق هذه المعارف والخبرات مباشرة على المجتمعات المعنية. (هذه المعرفة تتموضع في مرحلة متقدمة جداً مقارنة مع المختصين المحليين، ممن يذهبون إلى دول أخرى لدراسة نظريات حول المجتمعات القبلية، جزء كبير منها لم يتم إنتاجه حول البنية القبلية في اليمن، ثم يعودون بمجموعة من الأفكار النظرية التي تتداخل مع عوامل ثقافية وأحكام قبِليّة ليجلسوا في مكاتب مراكزهم البحثية الأنيقة في العاصمة أو مدنٍ أخرى، ثم يُشاركون تصوراتهم النمطية، ودون محاولة بذل جهود للاقتراب من هذه المجتمعات، وفهمها من الداخل، في سبيل تطوير معرفة قد تُساعد صانع القرار على إيجاد حلولٍ تَصَبُ في مسار بناء الدولة على المدى الطويل، وتجنب مخاطر الارتجاجات المفاجئة). وبعد سيطرة الحركة الحوثية على المرتفعات الشمالية، لم تسع إلى إلغاء الأعراف القبلية أو منصب الشيخ، بل تم الاستبقاء والاستحداث بما يخدم متطلبات التعبئة المستمرة، وتقويض الاستقلالية التي تسمح بالاعتراض، ودون أن يؤدي في الوقت نفسه إلى مواجهة شاملة مع القبائل. وهذا لا يعني بالضرورة أن استبدال شيخٍ بآخر - مستفيدةً من معرفتها الدقيقة والمواكبة بطبيعة التنافسات داخل كل قبيلة - لا يُهدد مصادر شرعية سلطة الشيخ المتأتية في الغالب من الاعتراف الداخلي/المحلي والالتزامات المتبادلة إلى تفويض تنظيمي مسنود بقوة خارجية. وفي سبيل ذلك تستخدم كل الوسائل التقليدية من تفاوض وإغراءات وخطاب يستهدف ممكنات أو رهانات التلقي داخل هذا الفضاء، ولا يُقْدِم على خطوة الاستبدال إلا بعدما يتم ضمان عدم تحوّل هذه الخطوة إلى سببٍ لاحتشاد معارض يجمع كل أو معظم أفراد القبيلة. وتستثمر التعبئة الحوثية خطاب نصرة المظلوم والوفاء للدم والدفاع عن الأرض، فتترجم الانضمام إلى الحرب باعتباره أداءً لواجبٍ أخلاقيٍّ. لكن هذه التعبئة لا تتم عن طريق الخطاب وحده، بل طوّرت الحركة الحوثية مصفوفة من آليات التحشيد المتناسقة والمتكاملة تتناسب مع الشروط المحلية المثالية. فالتركيز مثلاً على فئة الشباب ممن يطمحون إلى القيام بأدوارٍ بطولية، وفي ظل واقعٍ مُعطلةٌ فيه كل وسائل وفُرص تمكين الشباب وتأهليهم من جهةٍ؛ ومن جهةٍ أخرى الاستفادة من هامش الاستقلالية الكبير الذي يحظى به أفراد القبائل، فالقبيلة لا تمارس الديكتاتورية أو التسلّط، والسلطة قائمة على أساس التراضٍ، وطالما الأفراد لا يُسببون تبعات سلبية أو اضراراً مباشرة لعموم القبيلة، فهم مسئولون عن تبعات قراراتهم الشخصية في نهاية المطاف. وتضيء شهادة العميد محمد الكميم في «بودكاست يمان» هذه الآليات بوضوحٍ شديد. ففي روايته لمحاولة تجنيد أحد أبنائه، تظهر شبكة الأصدقاء والمجالس والمحاضرات، ثم السلاح والطقم والدور الأمني في الحي، والإغراء بمظاهر البطولة العسكرية، ووعود المجد والجاه، والسرديات الرومانسية للاستشهاد، وصولاً إلى طلب التعزيز للجبهة. وحين يضيق أفق الدراسة والعمل أمام فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، قد يصبح هذا الاعتراف المعروض طريقاً مختصراً للشعور بالأهمية. ولا يعني ذلك أن المستهدفين جميعاً خارج التعليم؛ فالمدرسة نفسها والمراكز الموازية – المراكز الصيفية - أصبحت من قناة استقطاب. وبههذه الطريقة، تُعاد صناعة المكانة خارج الأسرة والمشيخة، ويُربط الصعود الفردي بالولاء والقتال. وربما من المقيد أن نُنهي هذا المقال بنقاشٍ سريعٍ لتلك التصورات التي راجت في السنوات الأخيرة، وتأتي على هيئة تساؤلات استفهامية أو استنكارية عن كيف قبول القبائل لمبدأ التمييز بين الأسر الهاشمية والآخرين الذي تحاول الحركة الحوثية إعادة إحيائه، وهذه القبائل معروفة بإعطائها أهمية كبيرة لمسألة المساواة والتكافؤ في المكانة والشرف، ولا تقبل الخضوع والانقياد والتصنيف من خارجها، حتى تلك الدعوى التي تُبشِّر بها الدولة تحت يافطة "المواطنة" تكون موضع معارضة. والحقيقة إنه ينبغي، في هذا السياق، تمييز المساواة القبلية الصارمة بين النظراء عن حالة الإنكار العام لكل تمايز ديني أو أثني. فالتقابل بين لغة الأنداد والحماية وادعاءات الاصطفاء لا يُفيد، بالضرورة، نفياً شاملاً لفضل العلم أو شَرَف النَسَب، بل يُفيد أن هذا الفضل، إذا سُلِّم به، لا يستلزم شعور القبلي بالدونية ولا تفويضاً مُطلقاً بالحكم. ويقوم فضاء الاستقلال والردع والتحكيم على أهلية متبادلة قد تتعايش مع وجود مقامات دينية، بشرط ألا تتحول إلى احتكار سياسي يخرق العلاقة التبادلية. ولهذا لا ينبغي فهم المساواة في الفضاء القبلي اليمني باعتبارها نفياً لكل تمايز في النسب أو العلم أو الثروة، وإنما بوصفها، في أحد أبعادها الأساسية، اعترافاً متبادلاً بالأهلية الأخلاقية والاستقلال بين الأنداد. فالقبلي يتمسك بحقه في الحماية والتفاوض والاعتراض، كما تؤكد القبيلة حرمة مجالها وحقها في ألا تتحول قوة جارتها إلى سيادة مشروعة عليها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بـ"الأسر الهاشمية" المقيمة بين القبائل أو المشمولة بعقود الهِجرة؛ فقد يُعترف لـ"الهاشمي" بفضل النسب أو العلم، دون أن يستتبع ذلك شعور القبلي بأنه أدنى منه، أو تسليمه بحق "الهاشمي" في إخضاعه. فالمكانة الدينية لا تستغرق جميع مصادر الاعتبار الاجتماعي؛ ويظل القبيلي، في منطق الحماية، صاحب التزام وقدرة على الدفاع والضمان. المصادر -عبد الله بن حسين الأحمر، مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: قضايا ومواقف، الأفاق للطباعة والنشر، صنعاء، ط٢، ٢٠٠٨ -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ -Andre Gingrich, Munebbih’s Northwestern Borders Through the 20th Century, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Dani e l Mart in Vari sc o Qabīlah, Jirbah and Tanmiyah: Tribes and Agriculture in the Northern Highlands of Yemen, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Marieke Brandt, Tribes and Politics in Yemen: a History of the Houthi Conflict, Oxford University Press, UK, 2017. -Paul Dresch, Imams and Tribes: The Writing and Acting of History in Upper Yemen, in Philip S. Khoury & Joseph Kostiner (Ed.), Tribes and State Formation in the Middle East, University of California Press, 1991. -Paul Dresch, Tribes, Government, and History in Yemen, Oxford University Press, 1989. -Shelagh Weir, A Tribal Order: Politics and Law in the Mountains of Yemen, University of Texas Press, USA, 2007, pp.285 -286 & Stephen Day, 2012. -Stephen W. Day, Regionalism and Rebellion in Yemen- A Troubled National Union, Cambridge University Press, New York, 2012 -Tomas Gerholm, Market, Mosque and Mafraj: Social Inequality in a Yemeni Town, University of Stockholm, 1977 -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
1
206
تفترض القبيلة بأنه في حالة لجأ إليها أفرادها، فعليها واجب توفير الحماية لهم مهما كانت دوافعهم، ولا يعني ذلك السكوت أو الدفاع عن أخطائهم، بل ما تنتظره هو أن تدخل الأطراف الأخرى في تفاوض معها بالطرق المتعارف عليها في الأعراف القبلية لإيجاد حل يُرضي جميع الأطراف. وربما أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إنه عندما عاد الشيخ مقبل الوادعي إلى صعدة، وبدأ دعوته السلفية، واجهة مضايقات كثيرة، فقامت قبيلته (وادعة) بتوفير الحماية له، ويُروى أن أفراد القبيلة ممن كانوا يرابطون في مسجده لتوفير الحماية، كانوا يرفضون الصلاة بعده بكونهم زيود.
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثالث/الأخير) أمين اليافعي ٥ نوفمبر ٢٠٢٦ خلال حروب صعدة، حدثت أخطاء فادحة وجسيمة في تعامل الحكومة مع "الحركة المتمردة"، فلم يتم التمييز بين أعضاء الحركة المتمردة وقبائلهم. ومع إن النخبة الحاكمة في صنعاء على معرفةٍ وعلاقةٍ وثيقةٍ بالسياق القبلي، إلا أن تعاملها بدا وكأنه يفتقر إلى أبسط حدود المعرفة. ولا شك أن تصفية الحسابات السياسية بين أقطاب النظام واعتبار هذه الأحداث فرصة ثمينة لذلك، ودون تقدير العواقب، فضلاً عن الأبعاد الإيديولوجية واستخدام بعض النافذين سلطة الدولة لتصفية حساباتهم المزمنة والمُعقدة مع قبائل مناوئة دوراً حاسماً في التحولات. فعندما لجأ بعض أعضاء الحركة، وبعد مقتل حسين الحوثي، إلى قبائلهم، طلباً للحماية، تم مهاجمة القبائل بضراوة. ومن وجهة نظر القبيلة، فقد تم ضرب أهم مرتكزين يقوم عليهما التضامن القبلي، وهما بالمناسبة أهم من النسب، فقد يتم التخلي عن فرد أو بيت من بيوت القبيلة بسبب عدم التزامه بهما؛ وهما مبدأ «التبادل الأخلاقي المتكافئ» والمتمثّل في توفير الحماية كرد منطقي على ضعف حصانة الأفراد، ومفهوم الشرف حيث يُعَدُ مهاجمة أراضي القبيلة محاولة لكسر شرفها، خصوصاً عندما يكون هناك أفراد من قبائل منافسة/مناوئة جزءاً من الحملة (القاعدة أو القانون الذي يحكم علاقة القبائل ببعضها «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» والذي أوردناه في الجزء الأول من المقال). تفترض القبيلة بأنه في حالة لجأ إليها أفرادها، فعليها واجب توفير الحماية لهم مهما كانت دوافعهم، ولا يعني ذلك السكوت أو الدفاع عن أخطائهم، بل ما تنتظره هو أن تدخل الأطراف الأخرى في تفاوض معها بالطرق المتعارف عليها في الأعراف القبلية لإيجاد حل يُرضي جميع الأطراف. وربما أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إنه عندما عاد الشيخ مقبل الوادعي إلى صعدة، وبدأ دعوته السلفية، واجهة مضايقات كثيرة، فقامت قبيلته (وادعة) بتوفير الحماية له، ويُروى أن أفراد القبيلة ممن كانوا يرابطون في مسجده لتوفير الحماية، كانوا يرفضون الصلاة بعده بكونهم زيود. ربما شعرت الدولة في تلك الفترة بأنها تمتلك من القوة بما يكفي لإخضاع القبائل، لكن عمليات الاجتياح لأراضي القبائل، والقصف الذي تعرضت له مساكنهم، وتدمير مزارعهم، وحالات النهب والسلب التي رافقت الاجتياح، وبمشاركة مجموعات قبلية منافسة... كل ذلك وَلَدَ شعوراً قوياً لدى القبائل بأن هذه العمليات هدفها إذلالهم، وكسر شرفهم، وضمن تصفية الحسابات المحلية التي تعود بعضها إلى العام ١٩٦٢، وربما إلى ما قبل ذلك التاريخ، وليس مجرد التعامل مع بعض أبناء قبائلهم ممن ينتمون إلى الحركة الحوثية. وكثير من القبائل كان لهم موقفاً معارضاً لدعوة حسين الحوثي، لدرجة أن بعضهم كان قد منع الحديث أو الخطبة على الطريقة الحوثية، وترديد الصرخة في مساجد مناطقهم، كما خشي بعضٌ من مشائخ القبائل من تمدد نفوذ الحوثي وسحب البساط عنهم (من الجديد ذكره أن محافظة صعدة شَهِدت أعنف المواجهات بين الجمهوريين والملكيين خلال حروب السبع سنوات ١٩٦٣ – ١٩٧٠). وبداية من الحرب الثانية سيطرت أسباب الثأر على البُعد الإيديولوجي في حروب صعدة لدرجة أن الحركة في بداية الأمر خشيت أن يتحول الصراع إلى نزاعات قبلية بحتة يُصبِح من الصعب توجيها والسيطرة عليها، لكنها بلا شك استفادت كثيراً من تدفق آلاف المقاتلين من القبائل تباعاً، ودون الحاجة إلى عناء كبير في التربية الإيديولوجية وكما فعلوا مع طلائع المقاتلين الأصليين في الحركة، فحاولوا استثمار زخم التمرد سواء للقتال من أجل القبائل، أو ضد خصومهم، أو الحكومة، أو شيخ مكروه، ومراكمته ضمن مكاسب الحركة المُتعاظمة مع كل حرب. وبالتأكيد لم يكن بمقدر الحركة أن تتوسع بهذا الشكل لولا الصراع الضاري داخل النظام الحاكم الذي بلغت ذروته في العام ٢٠١١. ومع سيطرة الحركة الحوثية على صعدة العام ٢٠١١، ثم صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤، توسّعت إعادة هندسة علاقات القوة أو السلطة داخل القبائل سواء عن طريق استبدال وجاهات موالية أو انتداب مشروفين يكونون بمثابة القنوات لحشد المقاتلين بطريقة تتجاوز الوسيط التقليدي. ومعرفة الحوثيين أو الأسر الهاشمية الحاكمة أو الطامحة للحكم بمجتمعات القبائل تنبع من ثلاثة مصادر متداخلة: المعرفة النظرية عن طريق الأدبيات التقليدية التي تراكمت على مدى عقود. الهِجَر الموجودة في أوساط القبائل وهي بمثابة مراكز رصد وإحصاء واستشراف (مبكرة) لو استعرنا مصطلحات اليوم تُتابع أدق التفاصيل والتطورات داخل القبائل، وتقيّم حالة التنافس بين الافخاذ والبيوت حول المشيخة، ولَعَب أدوار الموجّه والمُرشد والمُحشِّد أثناء فترات الصعود. ويتمثل العامل الثالث في التعامل والاحتكاك الدائمين مع المجتمع القبلي، ونقل وتطبيق هذه المعارف والخبرات مباشرة على المجتمعات المعنية. (هذه المعرفة تتموضع في مرحلة متقدمة جداً مقارنة مع المختصين المحليين، ممن يذهبون إلى دول أخرى لدراسة نظريات حول المجتمعات القبلية، جزء كبير منها لم يتم إنتاجه حول البنية القبلية في اليمن، ثم يعودون بمجموعة من الأفكار النظرية التي تتداخل مع عوامل ثقافية وأحكام قبِليّة ليجلسوا في مكاتب مراكزهم البحثية الأنيقة في العاصمة أو مدنٍ أخرى، ثم يُشاركون تصوراتهم النمطية، ودون محاولة بذل جهود للاقتراب من هذه المجتمعات، وفهمها من الداخل، في سبيل تطوير معرفة قد تُساعد صانع القرار على إيجاد حلولٍ تَصَبُ في مسار بناء الدولة على المدى الطويل، وتجنب مخاطر الارتجاجات المفاجئة). وبعد سيطرة الحركة الحوثية على المرتفعات الشمالية، لم تسع إلى إلغاء الأعراف القبلية أو منصب الشيخ، بل تم الاستبقاء والاستحداث بما يخدم متطلبات التعبئة المستمرة، وتقويض الاستقلالية التي تسمح بالاعتراض، ودون أن يؤدي في الوقت نفسه إلى مواجهة شاملة مع القبائل. وهذا لا يعني بالضرورة أن استبدال شيخٍ بآخر - مستفيدةً من معرفتها الدقيقة والمواكبة بطبيعة التنافسات داخل كل قبيلة - لا يُهدد مصادر شرعية سلطة الشيخ المتأتية في الغالب من الاعتراف الداخلي/المحلي والالتزامات المتبادلة إلى تفويض تنظيمي مسنود بقوة خارجية. وفي سبيل ذلك تستخدم كل الوسائل التقليدية من تفاوض وإغراءات وخطاب يستهدف ممكنات أو رهانات التلقي داخل هذا الفضاء، ولا يُقْدِم على خطوة الاستبدال إلا بعدما يتم ضمان عدم تحوّل هذه الخطوة إلى سببٍ لاحتشاد معارض يجمع كل أو معظم أفراد القبيلة. وتستثمر التعبئة الحوثية خطاب نصرة المظلوم والوفاء للدم والدفاع عن الأرض، فتترجم الانضمام إلى الحرب باعتباره أداءً لواجبٍ أخلاقيٍّ. لكن هذه التعبئة لا تتم عن طريق الخطاب وحده، بل طوّرت الحركة الحوثية مصفوفة من آليات التحشيد المتناسقة والمتكاملة تتناسب مع الشروط المحلية المثالية. فالتركيز مثلاً على فئة الشباب ممن يطمحون إلى القيام بأدوارٍ بطولية، وفي ظل واقعٍ مُعطلةٌ فيه كل وسائل وفُرص تمكين الشباب وتأهليهم من جهةٍ؛ ومن جهةٍ أخرى الاستفادة من هامش الاستقلالية الكبير الذي يحظى به أفراد القبائل، فالقبيلة لا تمارس الديكتاتورية أو التسلّط، والسلطة قائمة على أساس التراضٍ، وطالما الأفراد لا يُسببون تبعات سلبية أو اضراراً مباشرة لعموم القبيلة، فهم مسئولون عن تبعات قراراتهم الشخصية في نهاية المطاف. وتضيء شهادة العميد محمد الكميم في «بودكاست يمان» هذه الآليات بوضوحٍ شديد. ففي روايته لمحاولة تجنيد أحد أبنائه، تظهر شبكة الأصدقاء والمجالس والمحاضرات، ثم السلاح والطقم والدور الأمني في الحي، والإغراء بمظاهر البطولة العسكرية، ووعود المجد والجاه، والسرديات الرومانسية للاستشهاد، وصولاً إلى طلب التعزيز للجبهة. وحين يضيق أفق الدراسة والعمل أمام فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، قد يصبح هذا الاعتراف المعروض طريقاً مختصراً للشعور بالأهمية. ولا يعني ذلك أن المستهدفين جميعاً خارج التعليم؛ فالمدرسة نفسها والمراكز الموازية – المراكز الصيفية - أصبحت من قناة استقطاب. وبههذه الطريقة، تُعاد صناعة المكانة خارج الأسرة والمشيخة، ويُربط الصعود الفردي بالولاء والقتال. وربما من المقيد أن نُنهي هذا المقال بنقاشٍ سريعٍ لتلك التصورات التي راجت في السنوات الأخيرة، وتأتي على هيئة تساؤلات استفهامية أو استنكارية عن كيف قبول القبائل لمبدأ التمييز بين الأسر الهاشمية والآخرين الذي تحاول الحركة الحوثية إعادة إحيائه، وهذه القبائل معروفة بإعطائها أهمية كبيرة لمسألة المساواة والتكافؤ في المكانة والشرف، ولا تقبل الخضوع والانقياد والتصنيف من خارجها، حتى تلك الدعوى التي تُبشِّر بها الدولة تحت يافطة "المواطنة" تكون موضع معارضة. والحقيقة إنه ينبغي، في هذا السياق، تمييز المساواة القبلية الصارمة بين النظراء عن حالة الإنكار العام لكل تمايز ديني أو أثني. فالتقابل بين لغة الأنداد والحماية وادعاءات الاصطفاء لا يُفيد، بالضرورة، نفياً شاملاً لفضل العلم أو شَرَف النَسَب، بل يُفيد أن هذا الفضل، إذا سُلِّم به، لا يستلزم شعور القبلي بالدونية ولا تفويضاً مُطلقاً بالحكم. ويقوم فضاء الاستقلال والردع والتحكيم على أهلية متبادلة قد تتعايش مع وجود مقامات دينية، بشرط ألا تتحول إلى احتكار سياسي يخرق العلاقة التبادلية. ولهذا لا ينبغي فهم المساواة في الفضاء القبلي اليمني باعتبارها نفياً لكل تمايز في النسب أو العلم أو الثروة، وإنما بوصفها، في أحد أبعادها الأساسية، اعترافاً متبادلاً بالأهلية الأخلاقية والاستقلال بين الأنداد. فالقبلي يتمسك بحقه في الحماية والتفاوض والاعتراض، كما تؤكد القبيلة حرمة مجالها وحقها في ألا تتحول قوة جارتها إلى سيادة مشروعة عليها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بـ"الأسر الهاشمية" المقيمة بين القبائل أو المشمولة بعقود الهِجرة؛ فقد يُعترف لـ"الهاشمي" بفضل النسب أو العلم، دون أن يستتبع ذلك شعور القبلي بأنه أدنى منه، أو تسليمه بحق "الهاشمي" في إخضاعه. فالمكانة الدينية لا تستغرق جميع مصادر الاعتبار الاجتماعي؛ ويظل القبيلي، في منطق الحماية، صاحب التزام وقدرة على الدفاع والضمان. المصادر -عبد الله بن حسين الأحمر، مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: قضايا ومواقف، الأفاق للطباعة والنشر، صنعاء، ط٢، ٢٠٠٨ -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ -Andre Gingrich, Munebbih’s Northwestern Borders Through the 20th Century, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Dani e l Mart in Vari sc o Qabīlah, Jirbah and Tanmiyah: Tribes and Agriculture in the Northern Highlands of Yemen, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Marieke Brandt, Tribes and Politics in Yemen: a History of the Houthi Conflict, Oxford University Press, UK, 2017. -Paul Dresch, Imams and Tribes: The Writing and Acting of History in Upper Yemen, in Philip S. Khoury & Joseph Kostiner (Ed.), Tribes and State Formation in the Middle East, University of California Press, 1991. -Paul Dresch, Tribes, Government, and History in Yemen, Oxford University Press, 1989. -Shelagh Weir, A Tribal Order: Politics and Law in the Mountains of Yemen, University of Texas Press, USA, 2007, pp.285 -286 & Stephen Day, 2012. -Stephen W. Day, Regionalism and Rebellion in Yemen- A Troubled National Union, Cambridge University Press, New York, 2012 -Tomas Gerholm, Market, Mosque and Mafraj: Social Inequality in a Yemeni Town, University of Stockholm, 1977 -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
1
1
271
خلال حروب صعدة، حدثت أخطاء فادحة وجسيمة في تعامل الحكومة مع "الحركة المتمردة"، فلم يتم التمييز بين أعضاء الحركة المتمردة وقبائلهم. ومع إن النخبة الحاكمة في صنعاء على معرفةٍ وعلاقةٍ وثيقةٍ بالسياق القبلي، إلا أن تعاملها بدا وكأنه يفتقر إلى أبسط حدود المعرفة. ولا شك أن تصفية الحسابات السياسية بين أقطاب النظام واعتبار هذه الأحداث فرصة ثمينة لذلك، ودون تقدير العواقب، فضلاً عن الأبعاد الإيديولوجية واستخدام بعض النافذين سلطة الدولة لتصفية حساباتهم المزمنة والمُعقدة مع قبائل مناوئة دوراً حاسماً في التحولات. فعندما لجأ بعض أعضاء الحركة، وبعد مقتل حسين الحوثي، إلى قبائلهم، طلباً للحماية، تم مهاجمة القبائل بضراوة. ومن وجهة نظر القبيلة، فقد تم ضرب أهم مرتكزين يقوم عليهما التضامن القبلي وهما مبدأ «التبادل الأخلاقي المتكافئ» والمتمثّل في توفير الحماية كرد منطقي على ضعف حصانة الأفراد، ومفهوم الشرف حيث يُعَدُ مهاجمة أراضي القبيلة محاولة لكسر شرفها، خصوصاً عندما يكون هناك أفراد من قبائل منافسة/مناوئة جزءاً من الحملة (القاعدة أو القانون الذي يحكم علاقة القبائل ببعضها «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» والذي أوردناه في الجزء الأول من المقال). وبالمناسبة هذان المبدآن أهم من النسب في تشكيل التضامن، وقد يتم التخلي عن فرد أو بيت من بيوت القبيلة بسبب عدم التزامه بهما.
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثالث/الأخير) أمين اليافعي ٥ نوفمبر ٢٠٢٦ خلال حروب صعدة، حدثت أخطاء فادحة وجسيمة في تعامل الحكومة مع "الحركة المتمردة"، فلم يتم التمييز بين أعضاء الحركة المتمردة وقبائلهم. ومع إن النخبة الحاكمة في صنعاء على معرفةٍ وعلاقةٍ وثيقةٍ بالسياق القبلي، إلا أن تعاملها بدا وكأنه يفتقر إلى أبسط حدود المعرفة. ولا شك أن تصفية الحسابات السياسية بين أقطاب النظام واعتبار هذه الأحداث فرصة ثمينة لذلك، ودون تقدير العواقب، فضلاً عن الأبعاد الإيديولوجية واستخدام بعض النافذين سلطة الدولة لتصفية حساباتهم المزمنة والمُعقدة مع قبائل مناوئة دوراً حاسماً في التحولات. فعندما لجأ بعض أعضاء الحركة، وبعد مقتل حسين الحوثي، إلى قبائلهم، طلباً للحماية، تم مهاجمة القبائل بضراوة. ومن وجهة نظر القبيلة، فقد تم ضرب أهم مرتكزين يقوم عليهما التضامن القبلي، وهما بالمناسبة أهم من النسب، فقد يتم التخلي عن فرد أو بيت من بيوت القبيلة بسبب عدم التزامه بهما؛ وهما مبدأ «التبادل الأخلاقي المتكافئ» والمتمثّل في توفير الحماية كرد منطقي على ضعف حصانة الأفراد، ومفهوم الشرف حيث يُعَدُ مهاجمة أراضي القبيلة محاولة لكسر شرفها، خصوصاً عندما يكون هناك أفراد من قبائل منافسة/مناوئة جزءاً من الحملة (القاعدة أو القانون الذي يحكم علاقة القبائل ببعضها «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» والذي أوردناه في الجزء الأول من المقال). تفترض القبيلة بأنه في حالة لجأ إليها أفرادها، فعليها واجب توفير الحماية لهم مهما كانت دوافعهم، ولا يعني ذلك السكوت أو الدفاع عن أخطائهم، بل ما تنتظره هو أن تدخل الأطراف الأخرى في تفاوض معها بالطرق المتعارف عليها في الأعراف القبلية لإيجاد حل يُرضي جميع الأطراف. وربما أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إنه عندما عاد الشيخ مقبل الوادعي إلى صعدة، وبدأ دعوته السلفية، واجهة مضايقات كثيرة، فقامت قبيلته (وادعة) بتوفير الحماية له، ويُروى أن أفراد القبيلة ممن كانوا يرابطون في مسجده لتوفير الحماية، كانوا يرفضون الصلاة بعده بكونهم زيود. ربما شعرت الدولة في تلك الفترة بأنها تمتلك من القوة بما يكفي لإخضاع القبائل، لكن عمليات الاجتياح لأراضي القبائل، والقصف الذي تعرضت له مساكنهم، وتدمير مزارعهم، وحالات النهب والسلب التي رافقت الاجتياح، وبمشاركة مجموعات قبلية منافسة... كل ذلك وَلَدَ شعوراً قوياً لدى القبائل بأن هذه العمليات هدفها إذلالهم، وكسر شرفهم، وضمن تصفية الحسابات المحلية التي تعود بعضها إلى العام ١٩٦٢، وربما إلى ما قبل ذلك التاريخ، وليس مجرد التعامل مع بعض أبناء قبائلهم ممن ينتمون إلى الحركة الحوثية. وكثير من القبائل كان لهم موقفاً معارضاً لدعوة حسين الحوثي، لدرجة أن بعضهم كان قد منع الحديث أو الخطبة على الطريقة الحوثية، وترديد الصرخة في مساجد مناطقهم، كما خشي بعضٌ من مشائخ القبائل من تمدد نفوذ الحوثي وسحب البساط عنهم (من الجديد ذكره أن محافظة صعدة شَهِدت أعنف المواجهات بين الجمهوريين والملكيين خلال حروب السبع سنوات ١٩٦٣ – ١٩٧٠). وبداية من الحرب الثانية سيطرت أسباب الثأر على البُعد الإيديولوجي في حروب صعدة لدرجة أن الحركة في بداية الأمر خشيت أن يتحول الصراع إلى نزاعات قبلية بحتة يُصبِح من الصعب توجيها والسيطرة عليها، لكنها بلا شك استفادت كثيراً من تدفق آلاف المقاتلين من القبائل تباعاً، ودون الحاجة إلى عناء كبير في التربية الإيديولوجية وكما فعلوا مع طلائع المقاتلين الأصليين في الحركة، فحاولوا استثمار زخم التمرد سواء للقتال من أجل القبائل، أو ضد خصومهم، أو الحكومة، أو شيخ مكروه، ومراكمته ضمن مكاسب الحركة المُتعاظمة مع كل حرب. وبالتأكيد لم يكن بمقدر الحركة أن تتوسع بهذا الشكل لولا الصراع الضاري داخل النظام الحاكم الذي بلغت ذروته في العام ٢٠١١. ومع سيطرة الحركة الحوثية على صعدة العام ٢٠١١، ثم صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤، توسّعت إعادة هندسة علاقات القوة أو السلطة داخل القبائل سواء عن طريق استبدال وجاهات موالية أو انتداب مشروفين يكونون بمثابة القنوات لحشد المقاتلين بطريقة تتجاوز الوسيط التقليدي. ومعرفة الحوثيين أو الأسر الهاشمية الحاكمة أو الطامحة للحكم بمجتمعات القبائل تنبع من ثلاثة مصادر متداخلة: المعرفة النظرية عن طريق الأدبيات التقليدية التي تراكمت على مدى عقود. الهِجَر الموجودة في أوساط القبائل وهي بمثابة مراكز رصد وإحصاء واستشراف (مبكرة) لو استعرنا مصطلحات اليوم تُتابع أدق التفاصيل والتطورات داخل القبائل، وتقيّم حالة التنافس بين الافخاذ والبيوت حول المشيخة، ولَعَب أدوار الموجّه والمُرشد والمُحشِّد أثناء فترات الصعود. ويتمثل العامل الثالث في التعامل والاحتكاك الدائمين مع المجتمع القبلي، ونقل وتطبيق هذه المعارف والخبرات مباشرة على المجتمعات المعنية. (هذه المعرفة تتموضع في مرحلة متقدمة جداً مقارنة مع المختصين المحليين، ممن يذهبون إلى دول أخرى لدراسة نظريات حول المجتمعات القبلية، جزء كبير منها لم يتم إنتاجه حول البنية القبلية في اليمن، ثم يعودون بمجموعة من الأفكار النظرية التي تتداخل مع عوامل ثقافية وأحكام قبِليّة ليجلسوا في مكاتب مراكزهم البحثية الأنيقة في العاصمة أو مدنٍ أخرى، ثم يُشاركون تصوراتهم النمطية، ودون محاولة بذل جهود للاقتراب من هذه المجتمعات، وفهمها من الداخل، في سبيل تطوير معرفة قد تُساعد صانع القرار على إيجاد حلولٍ تَصَبُ في مسار بناء الدولة على المدى الطويل، وتجنب مخاطر الارتجاجات المفاجئة). وبعد سيطرة الحركة الحوثية على المرتفعات الشمالية، لم تسع إلى إلغاء الأعراف القبلية أو منصب الشيخ، بل تم الاستبقاء والاستحداث بما يخدم متطلبات التعبئة المستمرة، وتقويض الاستقلالية التي تسمح بالاعتراض، ودون أن يؤدي في الوقت نفسه إلى مواجهة شاملة مع القبائل. وهذا لا يعني بالضرورة أن استبدال شيخٍ بآخر - مستفيدةً من معرفتها الدقيقة والمواكبة بطبيعة التنافسات داخل كل قبيلة - لا يُهدد مصادر شرعية سلطة الشيخ المتأتية في الغالب من الاعتراف الداخلي/المحلي والالتزامات المتبادلة إلى تفويض تنظيمي مسنود بقوة خارجية. وفي سبيل ذلك تستخدم كل الوسائل التقليدية من تفاوض وإغراءات وخطاب يستهدف ممكنات أو رهانات التلقي داخل هذا الفضاء، ولا يُقْدِم على خطوة الاستبدال إلا بعدما يتم ضمان عدم تحوّل هذه الخطوة إلى سببٍ لاحتشاد معارض يجمع كل أو معظم أفراد القبيلة. وتستثمر التعبئة الحوثية خطاب نصرة المظلوم والوفاء للدم والدفاع عن الأرض، فتترجم الانضمام إلى الحرب باعتباره أداءً لواجبٍ أخلاقيٍّ. لكن هذه التعبئة لا تتم عن طريق الخطاب وحده، بل طوّرت الحركة الحوثية مصفوفة من آليات التحشيد المتناسقة والمتكاملة تتناسب مع الشروط المحلية المثالية. فالتركيز مثلاً على فئة الشباب ممن يطمحون إلى القيام بأدوارٍ بطولية، وفي ظل واقعٍ مُعطلةٌ فيه كل وسائل وفُرص تمكين الشباب وتأهليهم من جهةٍ؛ ومن جهةٍ أخرى الاستفادة من هامش الاستقلالية الكبير الذي يحظى به أفراد القبائل، فالقبيلة لا تمارس الديكتاتورية أو التسلّط، والسلطة قائمة على أساس التراضٍ، وطالما الأفراد لا يُسببون تبعات سلبية أو اضراراً مباشرة لعموم القبيلة، فهم مسئولون عن تبعات قراراتهم الشخصية في نهاية المطاف. وتضيء شهادة العميد محمد الكميم في «بودكاست يمان» هذه الآليات بوضوحٍ شديد. ففي روايته لمحاولة تجنيد أحد أبنائه، تظهر شبكة الأصدقاء والمجالس والمحاضرات، ثم السلاح والطقم والدور الأمني في الحي، والإغراء بمظاهر البطولة العسكرية، ووعود المجد والجاه، والسرديات الرومانسية للاستشهاد، وصولاً إلى طلب التعزيز للجبهة. وحين يضيق أفق الدراسة والعمل أمام فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، قد يصبح هذا الاعتراف المعروض طريقاً مختصراً للشعور بالأهمية. ولا يعني ذلك أن المستهدفين جميعاً خارج التعليم؛ فالمدرسة نفسها والمراكز الموازية – المراكز الصيفية - أصبحت من قناة استقطاب. وبههذه الطريقة، تُعاد صناعة المكانة خارج الأسرة والمشيخة، ويُربط الصعود الفردي بالولاء والقتال. وربما من المقيد أن نُنهي هذا المقال بنقاشٍ سريعٍ لتلك التصورات التي راجت في السنوات الأخيرة، وتأتي على هيئة تساؤلات استفهامية أو استنكارية عن كيف قبول القبائل لمبدأ التمييز بين الأسر الهاشمية والآخرين الذي تحاول الحركة الحوثية إعادة إحيائه، وهذه القبائل معروفة بإعطائها أهمية كبيرة لمسألة المساواة والتكافؤ في المكانة والشرف، ولا تقبل الخضوع والانقياد والتصنيف من خارجها، حتى تلك الدعوى التي تُبشِّر بها الدولة تحت يافطة "المواطنة" تكون موضع معارضة. والحقيقة إنه ينبغي، في هذا السياق، تمييز المساواة القبلية الصارمة بين النظراء عن حالة الإنكار العام لكل تمايز ديني أو أثني. فالتقابل بين لغة الأنداد والحماية وادعاءات الاصطفاء لا يُفيد، بالضرورة، نفياً شاملاً لفضل العلم أو شَرَف النَسَب، بل يُفيد أن هذا الفضل، إذا سُلِّم به، لا يستلزم شعور القبلي بالدونية ولا تفويضاً مُطلقاً بالحكم. ويقوم فضاء الاستقلال والردع والتحكيم على أهلية متبادلة قد تتعايش مع وجود مقامات دينية، بشرط ألا تتحول إلى احتكار سياسي يخرق العلاقة التبادلية. ولهذا لا ينبغي فهم المساواة في الفضاء القبلي اليمني باعتبارها نفياً لكل تمايز في النسب أو العلم أو الثروة، وإنما بوصفها، في أحد أبعادها الأساسية، اعترافاً متبادلاً بالأهلية الأخلاقية والاستقلال بين الأنداد. فالقبلي يتمسك بحقه في الحماية والتفاوض والاعتراض، كما تؤكد القبيلة حرمة مجالها وحقها في ألا تتحول قوة جارتها إلى سيادة مشروعة عليها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بـ"الأسر الهاشمية" المقيمة بين القبائل أو المشمولة بعقود الهِجرة؛ فقد يُعترف لـ"الهاشمي" بفضل النسب أو العلم، دون أن يستتبع ذلك شعور القبلي بأنه أدنى منه، أو تسليمه بحق "الهاشمي" في إخضاعه. فالمكانة الدينية لا تستغرق جميع مصادر الاعتبار الاجتماعي؛ ويظل القبيلي، في منطق الحماية، صاحب التزام وقدرة على الدفاع والضمان. المصادر -عبد الله بن حسين الأحمر، مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: قضايا ومواقف، الأفاق للطباعة والنشر، صنعاء، ط٢، ٢٠٠٨ -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ -Andre Gingrich, Munebbih’s Northwestern Borders Through the 20th Century, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Dani e l Mart in Vari sc o Qabīlah, Jirbah and Tanmiyah: Tribes and Agriculture in the Northern Highlands of Yemen, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Marieke Brandt, Tribes and Politics in Yemen: a History of the Houthi Conflict, Oxford University Press, UK, 2017. -Paul Dresch, Imams and Tribes: The Writing and Acting of History in Upper Yemen, in Philip S. Khoury & Joseph Kostiner (Ed.), Tribes and State Formation in the Middle East, University of California Press, 1991. -Paul Dresch, Tribes, Government, and History in Yemen, Oxford University Press, 1989. -Shelagh Weir, A Tribal Order: Politics and Law in the Mountains of Yemen, University of Texas Press, USA, 2007, pp.285 -286 & Stephen Day, 2012. -Stephen W. Day, Regionalism and Rebellion in Yemen- A Troubled National Union, Cambridge University Press, New York, 2012 -Tomas Gerholm, Market, Mosque and Mafraj: Social Inequality in a Yemeni Town, University of Stockholm, 1977 -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
1
275
عارفين المشاكل والأشكاليات والأخطاء والكوارث، لكن أن يقوم أحد المناضلين (الكبار) بتبرير تغيير مواقفه كليا بسبب أنهم سحبوا منه التلفون، فهذه مسخرة ستدخل التاريخ!
2
2
495
لقد شابت رؤوسنا من الملف اليمني، ونعرف نميّز جيدا بين المناضلين الحقيقيين والصعاليك من على بُعد خمسة مليون سنة ضوئية هههههههه رُفِعت الأقلام...
6
5
1
20
2,098
القبيلة اليمنية بين الشَّرَف والمُشرِف (الجزء الثالث/الأخير) أمين اليافعي ٥ نوفمبر ٢٠٢٦ خلال حروب صعدة، حدثت أخطاء فادحة وجسيمة في تعامل الحكومة مع "الحركة المتمردة"، فلم يتم التمييز بين أعضاء الحركة المتمردة وقبائلهم. ومع إن النخبة الحاكمة في صنعاء على معرفةٍ وعلاقةٍ وثيقةٍ بالسياق القبلي، إلا أن تعاملها بدا وكأنه يفتقر إلى أبسط حدود المعرفة. ولا شك أن تصفية الحسابات السياسية بين أقطاب النظام واعتبار هذه الأحداث فرصة ثمينة لذلك، ودون تقدير العواقب، فضلاً عن الأبعاد الإيديولوجية واستخدام بعض النافذين سلطة الدولة لتصفية حساباتهم المزمنة والمُعقدة مع قبائل مناوئة دوراً حاسماً في التحولات. فعندما لجأ بعض أعضاء الحركة، وبعد مقتل حسين الحوثي، إلى قبائلهم، طلباً للحماية، تم مهاجمة القبائل بضراوة. ومن وجهة نظر القبيلة، فقد تم ضرب أهم مرتكزين يقوم عليهما التضامن القبلي، وهما بالمناسبة أهم من النسب، فقد يتم التخلي عن فرد أو بيت من بيوت القبيلة بسبب عدم التزامه بهما؛ وهما مبدأ «التبادل الأخلاقي المتكافئ» والمتمثّل في توفير الحماية كرد منطقي على ضعف حصانة الأفراد، ومفهوم الشرف حيث يُعَدُ مهاجمة أراضي القبيلة محاولة لكسر شرفها، خصوصاً عندما يكون هناك أفراد من قبائل منافسة/مناوئة جزءاً من الحملة (القاعدة أو القانون الذي يحكم علاقة القبائل ببعضها «خارج شروط سلامي أنت خصمٌ محتملٌ، وشرفٌ مناقضٌ لشرفي» والذي أوردناه في الجزء الأول من المقال). تفترض القبيلة بأنه في حالة لجأ إليها أفرادها، فعليها واجب توفير الحماية لهم مهما كانت دوافعهم، ولا يعني ذلك السكوت أو الدفاع عن أخطائهم، بل ما تنتظره هو أن تدخل الأطراف الأخرى في تفاوض معها بالطرق المتعارف عليها في الأعراف القبلية لإيجاد حل يُرضي جميع الأطراف. وربما أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إنه عندما عاد الشيخ مقبل الوادعي إلى صعدة، وبدأ دعوته السلفية، واجهة مضايقات كثيرة، فقامت قبيلته (وادعة) بتوفير الحماية له، ويُروى أن أفراد القبيلة ممن كانوا يرابطون في مسجده لتوفير الحماية، كانوا يرفضون الصلاة بعده بكونهم زيود. ربما شعرت الدولة في تلك الفترة بأنها تمتلك من القوة بما يكفي لإخضاع القبائل، لكن عمليات الاجتياح لأراضي القبائل، والقصف الذي تعرضت له مساكنهم، وتدمير مزارعهم، وحالات النهب والسلب التي رافقت الاجتياح، وبمشاركة مجموعات قبلية منافسة... كل ذلك وَلَدَ شعوراً قوياً لدى القبائل بأن هذه العمليات هدفها إذلالهم، وكسر شرفهم، وضمن تصفية الحسابات المحلية التي تعود بعضها إلى العام ١٩٦٢، وربما إلى ما قبل ذلك التاريخ، وليس مجرد التعامل مع بعض أبناء قبائلهم ممن ينتمون إلى الحركة الحوثية. وكثير من القبائل كان لهم موقفاً معارضاً لدعوة حسين الحوثي، لدرجة أن بعضهم كان قد منع الحديث أو الخطبة على الطريقة الحوثية، وترديد الصرخة في مساجد مناطقهم، كما خشي بعضٌ من مشائخ القبائل من تمدد نفوذ الحوثي وسحب البساط عنهم (من الجديد ذكره أن محافظة صعدة شَهِدت أعنف المواجهات بين الجمهوريين والملكيين خلال حروب السبع سنوات ١٩٦٣ – ١٩٧٠). وبداية من الحرب الثانية سيطرت أسباب الثأر على البُعد الإيديولوجي في حروب صعدة لدرجة أن الحركة في بداية الأمر خشيت أن يتحول الصراع إلى نزاعات قبلية بحتة يُصبِح من الصعب توجيها والسيطرة عليها، لكنها بلا شك استفادت كثيراً من تدفق آلاف المقاتلين من القبائل تباعاً، ودون الحاجة إلى عناء كبير في التربية الإيديولوجية وكما فعلوا مع طلائع المقاتلين الأصليين في الحركة، فحاولوا استثمار زخم التمرد سواء للقتال من أجل القبائل، أو ضد خصومهم، أو الحكومة، أو شيخ مكروه، ومراكمته ضمن مكاسب الحركة المُتعاظمة مع كل حرب. وبالتأكيد لم يكن بمقدر الحركة أن تتوسع بهذا الشكل لولا الصراع الضاري داخل النظام الحاكم الذي بلغت ذروته في العام ٢٠١١. ومع سيطرة الحركة الحوثية على صعدة العام ٢٠١١، ثم صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤، توسّعت إعادة هندسة علاقات القوة أو السلطة داخل القبائل سواء عن طريق استبدال وجاهات موالية أو انتداب مشروفين يكونون بمثابة القنوات لحشد المقاتلين بطريقة تتجاوز الوسيط التقليدي. ومعرفة الحوثيين أو الأسر الهاشمية الحاكمة أو الطامحة للحكم بمجتمعات القبائل تنبع من ثلاثة مصادر متداخلة: المعرفة النظرية عن طريق الأدبيات التقليدية التي تراكمت على مدى عقود. الهِجَر الموجودة في أوساط القبائل وهي بمثابة مراكز رصد وإحصاء واستشراف (مبكرة) لو استعرنا مصطلحات اليوم تُتابع أدق التفاصيل والتطورات داخل القبائل، وتقيّم حالة التنافس بين الافخاذ والبيوت حول المشيخة، ولَعَب أدوار الموجّه والمُرشد والمُحشِّد أثناء فترات الصعود. ويتمثل العامل الثالث في التعامل والاحتكاك الدائمين مع المجتمع القبلي، ونقل وتطبيق هذه المعارف والخبرات مباشرة على المجتمعات المعنية. (هذه المعرفة تتموضع في مرحلة متقدمة جداً مقارنة مع المختصين المحليين، ممن يذهبون إلى دول أخرى لدراسة نظريات حول المجتمعات القبلية، جزء كبير منها لم يتم إنتاجه حول البنية القبلية في اليمن، ثم يعودون بمجموعة من الأفكار النظرية التي تتداخل مع عوامل ثقافية وأحكام قبِليّة ليجلسوا في مكاتب مراكزهم البحثية الأنيقة في العاصمة أو مدنٍ أخرى، ثم يُشاركون تصوراتهم النمطية، ودون محاولة بذل جهود للاقتراب من هذه المجتمعات، وفهمها من الداخل، في سبيل تطوير معرفة قد تُساعد صانع القرار على إيجاد حلولٍ تَصَبُ في مسار بناء الدولة على المدى الطويل، وتجنب مخاطر الارتجاجات المفاجئة). وبعد سيطرة الحركة الحوثية على المرتفعات الشمالية، لم تسع إلى إلغاء الأعراف القبلية أو منصب الشيخ، بل تم الاستبقاء والاستحداث بما يخدم متطلبات التعبئة المستمرة، وتقويض الاستقلالية التي تسمح بالاعتراض، ودون أن يؤدي في الوقت نفسه إلى مواجهة شاملة مع القبائل. وهذا لا يعني بالضرورة أن استبدال شيخٍ بآخر - مستفيدةً من معرفتها الدقيقة والمواكبة بطبيعة التنافسات داخل كل قبيلة - لا يُهدد مصادر شرعية سلطة الشيخ المتأتية في الغالب من الاعتراف الداخلي/المحلي والالتزامات المتبادلة إلى تفويض تنظيمي مسنود بقوة خارجية. وفي سبيل ذلك تستخدم كل الوسائل التقليدية من تفاوض وإغراءات وخطاب يستهدف ممكنات أو رهانات التلقي داخل هذا الفضاء، ولا يُقْدِم على خطوة الاستبدال إلا بعدما يتم ضمان عدم تحوّل هذه الخطوة إلى سببٍ لاحتشاد معارض يجمع كل أو معظم أفراد القبيلة. وتستثمر التعبئة الحوثية خطاب نصرة المظلوم والوفاء للدم والدفاع عن الأرض، فتترجم الانضمام إلى الحرب باعتباره أداءً لواجبٍ أخلاقيٍّ. لكن هذه التعبئة لا تتم عن طريق الخطاب وحده، بل طوّرت الحركة الحوثية مصفوفة من آليات التحشيد المتناسقة والمتكاملة تتناسب مع الشروط المحلية المثالية. فالتركيز مثلاً على فئة الشباب ممن يطمحون إلى القيام بأدوارٍ بطولية، وفي ظل واقعٍ مُعطلةٌ فيه كل وسائل وفُرص تمكين الشباب وتأهليهم من جهةٍ؛ ومن جهةٍ أخرى الاستفادة من هامش الاستقلالية الكبير الذي يحظى به أفراد القبائل، فالقبيلة لا تمارس الديكتاتورية أو التسلّط، والسلطة قائمة على أساس التراضٍ، وطالما الأفراد لا يُسببون تبعات سلبية أو اضراراً مباشرة لعموم القبيلة، فهم مسئولون عن تبعات قراراتهم الشخصية في نهاية المطاف. وتضيء شهادة العميد محمد الكميم في «بودكاست يمان» هذه الآليات بوضوحٍ شديد. ففي روايته لمحاولة تجنيد أحد أبنائه، تظهر شبكة الأصدقاء والمجالس والمحاضرات، ثم السلاح والطقم والدور الأمني في الحي، والإغراء بمظاهر البطولة العسكرية، ووعود المجد والجاه، والسرديات الرومانسية للاستشهاد، وصولاً إلى طلب التعزيز للجبهة. وحين يضيق أفق الدراسة والعمل أمام فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، قد يصبح هذا الاعتراف المعروض طريقاً مختصراً للشعور بالأهمية. ولا يعني ذلك أن المستهدفين جميعاً خارج التعليم؛ فالمدرسة نفسها والمراكز الموازية – المراكز الصيفية - أصبحت من قناة استقطاب. وبههذه الطريقة، تُعاد صناعة المكانة خارج الأسرة والمشيخة، ويُربط الصعود الفردي بالولاء والقتال. وربما من المقيد أن نُنهي هذا المقال بنقاشٍ سريعٍ لتلك التصورات التي راجت في السنوات الأخيرة، وتأتي على هيئة تساؤلات استفهامية أو استنكارية عن كيف قبول القبائل لمبدأ التمييز بين الأسر الهاشمية والآخرين الذي تحاول الحركة الحوثية إعادة إحيائه، وهذه القبائل معروفة بإعطائها أهمية كبيرة لمسألة المساواة والتكافؤ في المكانة والشرف، ولا تقبل الخضوع والانقياد والتصنيف من خارجها، حتى تلك الدعوى التي تُبشِّر بها الدولة تحت يافطة "المواطنة" تكون موضع معارضة. والحقيقة إنه ينبغي، في هذا السياق، تمييز المساواة القبلية الصارمة بين النظراء عن حالة الإنكار العام لكل تمايز ديني أو أثني. فالتقابل بين لغة الأنداد والحماية وادعاءات الاصطفاء لا يُفيد، بالضرورة، نفياً شاملاً لفضل العلم أو شَرَف النَسَب، بل يُفيد أن هذا الفضل، إذا سُلِّم به، لا يستلزم شعور القبلي بالدونية ولا تفويضاً مُطلقاً بالحكم. ويقوم فضاء الاستقلال والردع والتحكيم على أهلية متبادلة قد تتعايش مع وجود مقامات دينية، بشرط ألا تتحول إلى احتكار سياسي يخرق العلاقة التبادلية. ولهذا لا ينبغي فهم المساواة في الفضاء القبلي اليمني باعتبارها نفياً لكل تمايز في النسب أو العلم أو الثروة، وإنما بوصفها، في أحد أبعادها الأساسية، اعترافاً متبادلاً بالأهلية الأخلاقية والاستقلال بين الأنداد. فالقبلي يتمسك بحقه في الحماية والتفاوض والاعتراض، كما تؤكد القبيلة حرمة مجالها وحقها في ألا تتحول قوة جارتها إلى سيادة مشروعة عليها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بـ"الأسر الهاشمية" المقيمة بين القبائل أو المشمولة بعقود الهِجرة؛ فقد يُعترف لـ"الهاشمي" بفضل النسب أو العلم، دون أن يستتبع ذلك شعور القبلي بأنه أدنى منه، أو تسليمه بحق "الهاشمي" في إخضاعه. فالمكانة الدينية لا تستغرق جميع مصادر الاعتبار الاجتماعي؛ ويظل القبيلي، في منطق الحماية، صاحب التزام وقدرة على الدفاع والضمان. المصادر -عبد الله بن حسين الأحمر، مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: قضايا ومواقف، الأفاق للطباعة والنشر، صنعاء، ط٢، ٢٠٠٨ -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ -Andre Gingrich, Munebbih’s Northwestern Borders Through the 20th Century, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Dani e l Mart in Vari sc o Qabīlah, Jirbah and Tanmiyah: Tribes and Agriculture in the Northern Highlands of Yemen, in Marieke Brandt (Ed.), Tribes in Modern Yemen: An Anthology, Austrian Academy of Sciences, Vienna, 2021. -Marieke Brandt, Tribes and Politics in Yemen: a History of the Houthi Conflict, Oxford University Press, UK, 2017. -Paul Dresch, Imams and Tribes: The Writing and Acting of History in Upper Yemen, in Philip S. Khoury & Joseph Kostiner (Ed.), Tribes and State Formation in the Middle East, University of California Press, 1991. -Paul Dresch, Tribes, Government, and History in Yemen, Oxford University Press, 1989. -Shelagh Weir, A Tribal Order: Politics and Law in the Mountains of Yemen, University of Texas Press, USA, 2007, pp.285 -286 & Stephen Day, 2012. -Stephen W. Day, Regionalism and Rebellion in Yemen- A Troubled National Union, Cambridge University Press, New York, 2012 -Tomas Gerholm, Market, Mosque and Mafraj: Social Inequality in a Yemeni Town, University of Stockholm, 1977 -مزيج، بودكاست يمان: مقابلة العميد محمد الكميم، تقديم محمود العتمي، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
1
1
5
3,566
هاني عمل لي حظر، ومضطر أعلق بهذه الطريقة سامي الجعوني موجود في السعودية، ولم أسمع أي أحد من أقربائه تحدث عن مكروه حدث له. في الخليج إسكات الأصوات موجود، وليس سامي الجعوني هو الجنوبي الوحيد الذي تم اسكاته في دولة من دول الخليج، في ناس قيادات قعدت سنوات ساكتة، ويمكن يطلع لك واحد مشاغب ويقول لك وليه حامد الأملس ساكت، ما الذي يمنعه من تسجيل موقف. سامي عبر عن موقفه من داخل المملكة، وما حد قال عنه شجاع وبطل وأسطورة ويا تطبيل له، ولا قال مواقف متناقضة لمجرد تغيير المكان، وفوق ذلك عاد في ناس بهذه الشلة جابوا له كم تهمة
طيب بما انك انسان حترم ومشهود لك ممكن تقول لنا وين سامي الجعوني لا تقول لي افتجع انت عارف وين هو وليش ممكن توضح لنا يا امين كن أمين
2
1,426
هل حد لديه إحصائيات عن عدد الشهداء الذين سقطوا في جبهة الضالع وحدها نتيجة الاستهدافات الحوثية المتكررة، ومنذ طرد قوات الحوثي-صالح من المناطق الجنوبية؟ المجد والخلود لشهداء الضالع، ولجميع الشهداء نتيجة الأعمال الإرهابية المتكررة
3
1
3
670
أمين اليافعي retweeted
Replying to @alkawis2018
احترمك كثيراً على المستوى الشخصي أستاذ أنور التميمي @anwaraltamimi71، وأنت إنسان عاقل ومتزن، لكن الظهور على منصات "معارضة" تحتاج إلى تحضيرات جيدة وطرح أعمق بكثير من هذه المقولات البسيطة التي نُرددها بيننا كجنوبيين دون أن تمر بدورات تفكريّة كافية، وكنتُ أتمنى أن تستفيد من تجربة الظهور مع نايف الأحمري قبل عام تقريبا لتستعد لهذا الحوار بشكل أفضل. بغض النظر أنك تُمثِّل حالياً الانتقالي، لكن في نهاية المطاف أنت تمثِّل تيار مشروع استعادة الدولة، وأي طرح قوي على منصات واسعة الانتشار يُفيد في المحصلة النهائية مساع الجنوبيين نحو استعادة دولتهم، وأنت تعلم أن الجنوب مرّ بمراحل نضال تراكمية منذ ١٩٩٤، وما زال. الحضور على المنصات الإعلامية التي تتبنى توجهات معارضة يكون نعمة في حال كان الطرح قوياً ورصينا، فأنت تلعب في ملعب الخصم وبين جمهوره، ونقمة لأنها فرصة لكي ينهش الجميع طرحك. للأمانة الحاجتين التي تبقت من مشاركتك هو ردك على المذيع عندما قال "لا أرى اختلافاً بينكما"، وهو رد مشاغب على طريقة المناوشات في مساحات إكس، والثانية لما قلت مسألة استعادة الدولة "حياة أو موت" بالنسبة للجنوبيين. وبغض النظر عن أي تفاصيل أخرى حول هذه المقولة، يعني ملاحظات لغوية قد تبدو شكليّة، فالاكتفاء بالقول "مسألة حياة" أشيك وأفضل وذات معنى عميق جداً، وتؤدي نفس الغرض تماماً، ولو أردتَ تختبر المعنى افصلهما، فـ"مسألة حياة" نَظِرة وحاسمة في نفس الوقت، بينما "مسألة موت" تعبير غبي وبدون معنى حقيقي باستثناء الرنين الصوتي. على العموم، دعنا من الملاحظات اللغوية، ولندخل في عمق المعنى السياسي والعملي. المذيع سألك كتفاعل مع كلامك بأنه والله إذا كنتم ترون مشروع استعادة الدولة الجنوبية مسألة حياة أو موت، وقررت الشرعية فرض سيطرتها على الجنوب بقوة السلاح، وهو يُشير ضمناً إلى حالة شبيهة بـ ١٩٩٤، كان ردك بأنها لن تُصبِح حكومة شرعية. ولا أدري من متى تهتم القوى في الشمال بالشرعية الحقيقية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة: هل أنت مستعد على المستوى الشخصي للتضحية في سبيل أن يستعيد الجنوبيون دولتهم؟ وما أعنيه هنا تحديداً، وسأكون معك صريحاً وواضحاً، أن الجنوبيين ضحوّا كثيراً، عشرات آلاف الشهداء، وبعد مشوار طويل وعسير من النضال والتضحيات رحتوا سلمتوا جزء منها للعليمي والجزء الآخر لطارق عفاش، والآن كل ما تقولونه وتفعلونه كقيادات مجرد ترديد شعارات وشخيط ونخيط ليل نهار في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تبدو هناك خططاً أو رؤية أو فكراً أو عملاً إدارياً أو نضالياً يتطور أو يتقدم ولو خطوة واحدة... والسؤال هو، ولطالما ترون أن استعادة الدولة باتت مسألة "حياة أو موت"، حسب تعبيرك، فهل أنتم مستعدون على المستوى الشخصي لتقدّم الصفوف ودفع الثمن، أم ستتركون آخرون يدفعونه، بينما سكتفون أنتم بالمراقبة من مواقعكم القيادية والتي يبدو أنها أكثر ما يُحفِّز نضالكم؟ سؤال بالطبع ليس بغرض الإحراج أو المطالبة بما يفوق قدرات الأشخاص، ولكن قصدي هل نعي ما نقوله، هل نُفكِّر فيه جيداً، ونستوعب نتائجه الآن ومستقبلاً؟ مع التحية والاعتذار لشخصك الكريم
1
1
3
263
أمين اليافعي retweeted
Replying to @hanisaadi2011
أسمع مني رأي مختلف يا شيخ راجح @RagehBakrait رأي ستستفيد منه مستقبلاً. تعرف أيش الكارثة الي عملتها، إنه أول ما وصلتم الرياض كنت أكثر واحد تجرأ في تصريحاته ضد رئيس المجلس الانتقالي واتهمته بالكذب وتخليه عن فريقه والهروب... واليوم تخرج تقول إن ما تم كان تحت ضغوط وإكراه وضد رغبة "الوفد الجنوبي". تعرف ما الذي يعنيه ذلك؟ لم يُصرِح أحدٌ من الوفد بهذه التصريحات القوية ضد رئيس المجلس الانتقالي، مع إنكم تعرضتم لنفس الضغوط والإكراه، وكما تعترف الآن، حتى أولئك الذين صرّحوا، لم يصلوا إلى جرأتك، بمعنى أنك تقول بإن جميع من في الوفد الي صرحوا والي سكتوا كانوا أشجع منك وأكثر قدرة على التحمّل، بينما تُظهِر نفسك بموضع الضعف والهوان وإنك لا تستطيع حتى تحمّل ضغوط، بينما نحن في مشروع نضال طويل عريض وعشرات آلاف من شهدائنا ضحّوا بأرواحهم الطاهرة فداء لوطنهم، والآن تخرج قيادات لتعترف بأنها لا تستطيع تحمّل "الضغوط". فطالما معك رأي، يجب أن تدافع عنه في كل مكان، ولو دفعت حياتك ثمناً له، هكذا تعلمنا من مدرسة النضال الجنوبي. وطبعا حالة الضعف هذه، مع حالة التقلبات في التصريحات سيضع مليون علامة استفهام على القدرة في قيادة مشروع ما زال يحتاج إلى تضحيات كبيرة وجسيمة واعذرني على صراحتي، فالمرحلة حساسة ودقيقة. مع تحياتي لشخصك الكريم
2
1
5
880
العالم كله مشغول بالانتخابات الأمريكية
1
1
1
383